المشهد السياسي بين التفكيك وإعادة التشكيل..رؤية لمقال لواء سامي دنيا
بقلم: د منال الشربيني مصر 🇪🇬
تعقيبًا على التقرير الذي أعده بحرفية رجل عسكري، وعقلية خبير استراتيجي ومحلل سياسي مخضرم، معالي اللواء دكتور مهندس سامي بك دنيا، كان لنا هذه القراءة،
إذ إن هذا التقرير يعكس قراءة سياسية ناقدة حادة لما يجري في ساحة المشهد الدولي، ويطرح العديد من الأسئلة الساخنة حول التغيرات الجذرية في موازين القوى العالمية. على صعيد المشهد الأمريكي، ترامب وقراراته المتخبطة والمضطربة، يقدم الكاتب الاستراتيجي الجيوسياسي بعبقرية غير مسبوقة، ترنح ترامب، عمدًا أو عفوًا، أو من باب " لاعبيني والاعبك"، واصفًا قفزاته مثل "سكويلر" في رواية " مزرعة الحيوانات"للكاتب العبقري جورج أورويل، الذي كان يجيد تحويل الأسود إلى أبيض، ويبرز كالبهلوان كلما حلت الكوارث كي يدفع بتبريرات واهية، ما أنزل الله بها من سلطان، كشخصية مضطربة تساهم في تفكيك الداخل الأمريكي وتساهم بشكل غبي في عزلته عن العالم بشكل لم يسبقه إليه رئيس أعظم دولة في العالم من قبل.
يمكن ربط تحليل الكاتب الخبير الاستراتيجي اللواء دنيا لتأثير قرارات ترامب على عزلة أمريكا وتفككها الداخلي بما يطرحه كيسنجر حول تراجع دور القوى العظمى نتيجة لسياساتها الداخلية. "النظام العالمي" (World Order) لهنري كيسنجر (Henry Kissinger): يتناول هذا الكتاب تحليلًا معمقًا لتوازن القوى العالمي وتأثير السياسات الداخلية للدول الكبرى على النظام الدولي.
هذا، وجاءت إقالة الرئيس الفيدرالي المحتملة ومطالبة ترامب بتخفيض الفائدة بتدخل غير مسبوق في السياسة النقدية لتعكس انعدام الثقة في قيمة الدولار، ناهيك عن انسحاب ثم عودة القوات الأمريكية في مناطق التوتر مثل سوريا والشرق الأوسط، الأمر الذي يعكس ارتباكا في السياسية الداخلية لأمريكا، وما فرض عقوبات على إيران ثم دعوة للتفاوض إلا حالة من التخبط والاضطراب في اتخاذ القرار، ولقد وجه الكاتب انتقادًا شديد اللهجة لسياسة أمريكا في أفريقيا نتيجة تقليص البعثات الدبلوماسية وفقدان النفوذ هناك، وعليه، وهنا، نرفع القبعة لقبضة الكاتب الكاتب لجرأته في قولة الحق وثباته على موقفه تجاه القضايا التي تمس المنطقة خاصة والعالم ككل.
بنفس المنهج، ومن نفس المنطلق، يمكن ربط إشارة التقرير إلى التفكك الداخلي في أمريكا بتحذيرات دي توكفيل حول مخاطر الاستقطاب والتطرف على استقرار الديمقراطية. على الرغم من أن "الديمقراطية في أمريكا" (Democracy in America) لألكسيس دي توكفيل (Alexis de Tocqueville) عمل كلاسيكي، إلا أن تحليلات دي توكفيل للنزاعات الداخلية في المجتمع الأمريكي وتأثيرها على سياستها الخارجية لا تزال ذات صلة. على صعيدٍ آخر، فإنه في ظل تقدم ثابت واستراتيجيات معقدة، وصف الكاتب ببراعة بوتين كلاعب شطرنج سياسي قدير لا يتراجع عن أهدافه في أوكرانيا، ويعتبر الاتفاقات الاقتصادية مع زيلينسكي اغتصابًا لتاريخ روسيا، كما أنه، عبر إيران والقرم، يحاول بوتين فرض وجوده كمحور مضاد للهيمنة الأمريكية.
ولم يغفل الكاتب العالمي هنا الصعود الاقتصادي والاستراتيجي غير المسبوق للصين، فمن الناحية الاقتصادية، حرصت الصين على أن ترد على العقوبات الأمريكية بضربات مدروسة للشركات الأمريكية، أما استرايجيًا، فهي لا تكتفي بالرد، بل توسع نفوذها العالمي وتستثمر في أماكن النفوذ الأمريكي الضعيف.
يمكن ربط تحليل التقرير فيما يتعلق بتراجع نفوذ أمريكا في أفريقيا وتخبط سياستها الخارجية بأفكار كينيدي حول التحديات التي تواجه القوى المهيمنة في الحفاظ على نفوذها العالمي.
"صعود وسقوط القوى العظمى" (The Rise and Fall of the Great Powers) لبول كينيدي (Paul Kennedy): يقدم هذا الكتاب تحليلًا تاريخيًا صعود وسقوط القوى العظمى عبر القرون، مع التركيز على التفاعل بين القوة الاقتصادية والاستراتيجية العسكرية.
هنا تبرز أسئلة تفرض نفسها بقوة: هل يمكن أن الهند بديلًا عن الصين؟ هنا، نرصد أن هذا احتمال قائم لكنه محفوف بالتحديات الجيوسياسية. هل ينتهي عصر الدولار؟ ربما، ولكنه طرح جريء ولكن مشروط بتوابع عاصفة وانهيارات اقتصادية متتابعة.
أما فيما يتعلق بعبارته الراصدة بوعي خبير استراتيجي وعسكري يعي ما يقول ويترك توقيعه بحروف كبيرة على ما يرصد " مصر كـ"صائد جوائز عالمي"، فإنه بهذا التنوير يحمل طموحًا أقرب إلى التحقق بالفعل على صعيد إعادة ترسيم التموقع الاستراتيجي المصري على خريطة العالم الجديد.
على صعيدٍ أخر، يهاجم التقرير بلغة تقريرية بالغة القسوة النخب السياسية العربية ويتهمها بالعمالة والخضوع الكامل للهيمنة الغربية، وهو بذلك إنما يهدف إلى توجيه خطاب شديد اللهجة إلى من يهمه الأمر " لعلهم يتذكرون"، " لعلهم يرشدون" " لعلهم يفقهون"، " لعلهم يعقلون"، من أجل إحداث نوع من اليقظة الشعبية، وإعادة بناء الوعي، " أَمْ علَى قلوبٍ أقفالُها"..
إعلاميًا، هذا تقرير تصعيدي فائق المهنية، إذ انبنى على السرد، واستثارة وعي القاريء، وتحفيز التلقي المتفاعل، وكان صوت العدو مقابل الصديق عالٍ بدرجة واضحة، وجاءت فوضوية ترامب مقابل اتزان بوتين، والصين، باعتبارهما " المخلِّص" من سطوة" الهيمنة الغربية"، كما جاء دلالات عبارات بعينها مثل: (هبوط البنتاجون، و جسر جوي للصين) لجذب جمهورً ينادي بضرورة التحرر من الهيمنة الأمريكية، ويندد صارخًا من فرط الشعور بالغبن تجاه الحكومات العربية المتآمرة.
على الصعيد السياسي، ينطوي النص على توجه واضح مؤيد لروسيا والصين ومعادٍ للإدارة الأمريكية و”غرباء الوطن”، ويصور مصر كقوة مستقلة لا تلتزم إلا بمصالحها. وأخيرًا، لا بد أن نشيد بالاستخدام المكثف لمفردات مثل “العميل” و“الخائن” و“الماسون” التي تمثل معادلًا موضوعيًا لنظرية المؤامرة، وتؤكد على الشعور بالاغتراب والغضب الشعبي ما قبل الانفجار.
من كل ما تقَّدم، نترك توقيعنا على أهمية الدور الذي يقوم به الكاتب والمحلل الاستراتيجي والخبير الجيوسياسي والكاتب العالمي معالي سامي بك دنيا من أجل تقديم وجبات توعوية دسمة في ظل ما يمر به العالم ككل من تداعيات لقرارات غير مسئولة من قبل الزعماء، أو ممارسات ماسونية قذرة، يقوم بها سادة هنا وهناك من وراء نقاب، وإنه لجهد، بحق، مشكور، أن يسوق الله إلى شعوبنا من يفققهنا في السياسية، ويعلمنا قراءة المشهد بكل حيادية، ويطمئن قلوب المؤمنين.."ولا ينبئك مثل خبير"( فاطر:١٤)
...
المصادر:
Orwell, G. (1945). Animal farm. Secker & Warburg.
(Kissinger, H. (2014). World order. Penguin Press
"النظام العالمي" (World Order) لهنري كيسنجر (Henry Kissinger): يتناول هذا الكتاب تحليلًا معمقًا لتوازن القوى العالمي وتأثير السياسات الداخلية للدول الكبرى على النظام الدولي.
Tocqueville, A. de. (2000). Democracy in America (H. C. Mansfield & D. Winthrop, Trans.). University of Chicago Press. (العمل الأصلي نشر عامي 1835 و 1840)
"الديمقراطية في أمريكا" (Democracy in America) لألكسيس دي توكفيل (Alexis de Tocqueville): على الرغم من أنه عمل كلاسيكي، إلا أن تحليلات دي توكفيل للنزاعات الداخلية في المجتمع الأمريكي وتأثيرها على سياستها الخارجية لا تزال ذات صلة.
- Kennedy, P. M. (1987). The rise and fall of the great powers: Economic change and military conflict from 1500 to 2000.
"صعود وسقوط القوى العظمى" (The Rise and Fall of the Great Powers) لبول كينيدي (Paul Kennedy): يقدم هذا الكتاب تحليلًا تاريخيًا صعود وسقوط القوى العظمى عبر القرون، مع التركيز على التفاعل بين القوة الاقتصادية والاستراتيجية العسكرية.
Acemoglu, D., & Robinson, J. A. (2012). Why nations fail: The origins of power, prosperity, and poverty. Crown Publisher
"لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر" (Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty) لدارون أسيموجلو وجيمس روبنسون (Daron Acemoglu & James A. Robinson): على الرغم من أن تركيز هذا الكتاب على أسباب فشل الدول، إلا أنه يقدم رؤى حول أهمية المؤسسات السياسية والاقتصادية المستقرة والمتماسكة في نجاح الدول على المدى الطويل.

0 تعليقات