مأساة إبليس رواية تمرد أم تأمل في مصير الإنسان؟
بقلم / الأديب د أحمد أمين عثمان
مأساة إبليس عمل سردي شعري ذو فكر عميق يغوص الروائي العالمي محيي الدين محمود حافظ في قلب المأساة الكونية من منظور لم نعتد عليه قبلا.
في الليلة الخامسة من روايته مأساة إبليس لا يقف الراوي على الضفة الآمنة من الحكاية المعروفة بل يغامر بالدخول في وجدان إبليس نفسه ليستخرج منه أسئلته بلسان حال تمرده وعقدته الوجودية. الرواية لا تعرض الشيطان بوصفه خصما تقليديا بل بوصفه ضحية سيناريو أكبر ضحية وعي زائد وعبادةٍ أفضت إلى اللعنة.
ما بين السقوط والبطولة إبليس العارف
في هذا النص لا يقدم إبليس كرمز مطلق للشر بل كشخصية مأزومة و تمضي من العبادة القصوى إلى التمرد لا عن كفر بل عن ولاء ملتبس.
يقول إبليس:
أنا عبدك الطائع الأمين... أنا الطاووس العابد
وطاووس الملائكة
هنا تتجلى المفارقة الكبرى إن ما يراه الإنسان تمردا قد يكون في داخله محاولة للحفاظ على الصفاء العقائدي و إخلاص لله وحده دون وسائط والسجود لطين.
التمرد الإبليسي هنا ليس كفرا بالله بل رفضا للسجود لغير الله..
إنها قراءة فلسفية تتجاوز البعد الفقهي التقليدي نحو تأملات في طبيعة الطاعة والمعصية.
إشكالية القدر أم الاختيار و جدلية الوعي والحرية
تتردد في النص تساؤلات تقوض المفاهيم المستقرة حول الحرية والمسؤولية:
أحقا كان لي حق الاختيار أم الكل مسير لمصيره
رسمت الأقدار كل شيء... وأنا كعروس الماريونيت
بهذا الطرح يحول الروائي روايته إلى مسرح للتخبط الوجودي تتلاقى فيه رؤى سارتر ودوستويفسكي وميلتون. لا جواب واضح يعطى بل يطرح السؤال بشجاعة من منا يختار حقا ومن منا يؤدي دورا مرسوما له سلفا تحت ستار الإرادة الإلاهية
تصوير المعرفة كلعنة إبليس كبروميثيوس شرقي
إبليس في هذا النص يعرف أكثر مما ينبغي. يرى المصير قبل وقوعه ويدرك اللعبة منذ بدايتها. هو لا يسقط فقط لأنه رفض بل لأنه فهم.
وهذا الفهم هو جوهر العقاب. تماما كما سجن بروميثيوس لأنه وهب النار للبشر فإن إبليس يلعن لأنه امتلك المعرفة التي لم يكن ينبغي له امتلاكها
أراه الآن... هو لم يفهم بعد ما أدركته
وآدم في المقابل لا يزال بريئا محبوبا غير مدرك لما يجري.
أما إبليس فهو الملعون لأنه فهم وهذا منتهى التراجيديا.
الرب كشخصية حاضرة بين الجلال والقدر
في حوارية شبيهة بالمسرحيات الإغريقية أو بالملاحم التوراتية يدخل الرب طرفا محاورا بصوت مهيب و حاسم و لا يفسر بقدر ما يمضي.
وهذا الحضور يرسخ فكرة أن الرواية ليست فقط عن إبليس بل عن الإنسان والله والقدر والخطيئة الأولى والنقاش الأبدي حول لماذا يحدث ما يحدث.
الروائي لم يستخدم النثر التقليدي بل يمزج السرد بالشعر ويجعل الإيقاع وسيلة تعبير عن التوتر الداخلي.
التكرار والتراكيب القسمِية والمناجاة كل ذلك يخلق جوا ملحميا مشحونا أقرب إلى صوت داخلي متصدع منه إلى سرد خارجي.
إننا لا نقرأ سردا بل نستمع إلى اعتراف طويل أو ربما مونولوج روحي دام.
تصوير الإنسان مرآة إبليس رغم أن السارد هو إبليس إلا أن القارئ لا يمكنه أن يتجاهل أن صوته هو صوت الإنسان نفسه الحائر و الرافض و المتسائل و المتمرد والمتعب من أسئلته الوجودية.
وكأن الروائي يقول أنا إبليس أيضا أو على الأقل في داخلي شيء منه.
مأساة إبليس ليست تبرئة للشر ولا شيطنة للطاعة بل وقفة تأمل مريرة في منطقة رمادية من التاريخ الإلهي حيث يختلط النور بالنار والعبادة بالتمرد والقدر بالاختيار. إنه عمل لا يتركك مرتاحا بل مشوشا... تماما كما هي الحياة نفسها.
الرد العقائدي والفلسفي على مأساة إبليس بين حرية الإرادة والقدر إبليس متمرد لا مظلوم
كثر في الآونة الأخيرة الطرح الأدبي والفلسفي الذي يعيد تصوير إبليس ككائن مظلوم ويلبسه ثوب الضحية في رواية كونية يتحكم بها القدر كما ظهر في نص مأساة إبليس الذي اتخذ طابعا دراميا شعريا يثير التعاطف وينسب إلى إبليس إدراكا وجوديا لم يبلغه آدم.
من هذا المنطلق يأتي هذا البحث ردا عقديا وفكريا ينقض فيه هذا التصور ويثبت من خلال النصوص الصريحة من القرآن والسنة أن إبليس مخير لا مسير وأن الإنسان في الصراع ليس ضحية بل مسؤول ومكلف.
إبليس مختار لا مسير وإلا لانتفى العدل
يؤكد القرآن أن الله خلق الإنسان وهداه إلى طريقين، وترك له حرية الاختيار
وهديناه النجدين (البلد: 10)
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (الإنسان: 3)
وبذلك فإن القول بأن إبليس كان مسيرا لا يعفيه من المسؤولية وإلا لانتفى التكليف والجزاء.
بل قال تعالى:
كل نفس بما كسبت رهينة(المدثر: 38)
إذن الكسب دليل على حرية الإرادة وعليه يبنى الثواب والعقاب.
وهنا سبب طرد إبليس هو التكبر لا الظلم
يصور النص المذكور أن إبليس طرد لأنه رفض السجود من منطلق وعي ومعرفة وكأن الله عاقبه لأنه فهم.
لكن الحقيقة أن المعصية كانت عن كبر واستعلاء:
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين" (ص: 75)
قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (ص: 76)
فإبليس لم يقص لأنه أدرك بل لأنه تمرد.
ولو كان مظلوما ولاعترف بذنبه وطلب المغفرة كما فعل آدم..
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين(الأعراف: 23)
أما إبليس فقال..
بما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (الأعراف: 16)
وهنا لا حجة بالقدر على المعصية
يحتج إبليس بالقدر على ذنبه لكن هذه حجة باطلة شرعا.
روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب قال لرجل قتل آخر ثم قال قُدر علي..
فقال له عمر: نحن نقضي عليك بقدر الله
فالاحتجاج بالقدر لا يُسقط المسؤولية. قال الله:
بل الإنسان على نفسه بصيرة (القيامة: 14)
وما ربك بظلام للعبيد (فصلت: 46)
الإنسان ليس ضحية الصراع بل مكلف فيه
زعم في النص أن آدم لم يفهم ما فهمه إبليس وأنه دفع إلى مصير لم يختره.
لكن الله علمه، وبين له الطريق القويم..
وقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (طه: 117)
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (النساء: 165)
بل إن الله أعطى الإنسان سلاح العقل والوحي والضمير ليدخل الصراع مختارا لا مغلوبا.
نظهر من خلال التحليل العقائدي أن تصوير إبليس كضحية ظلمته الأقدار إنما هو تسويق لفكرة باطلة تخالف أصول التوحيد والعدل الإلهي.
إن إبليس لم يجبر بل اختار ولم يظلم بل تكبر. والإنسان لم يترك بل هدي ونبه. والحقيقة أن التوبة لمن اعترف لا لمن تمادى في التبرير.
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (الحجر: 42)
والله أعلى و أعلم.. وصل الله على حبيبنا وقائدنا وقدوتنا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه رضوان الله عليهم أجمعين.
رواية مأسآة إبليس
الليلة الخامسة
وكان عرشة علي الماء
وإهتزت الجنة من صوت الرب ©
و نادي الرب إبليس
وهنا دارت الدنيا من حولي
انا امير السيف والنار
انا طاووس الملائكة
و أكثر الساجدين
خشوعا للرب
و طاعة
كيف يتغير الحال
بطرفة عين
بظهور الطيني المهين
و سجود الملائكة
لمخلوق من طين
يا ويلي و ويل اللقاء
حلمت به عبثا منتصرا
علي القوم الفاسدين
آة يا آدم فرحلتي معك
قدرها الخلود
تكليف او عصيان
الأمر سيان
حرب بلاحدود
ولنعد للدائرة و المتاهة
قال الرب
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي®
أستكبرت أم كنت من الظالمين®
قلت خاشعا
أنا من الظالمين أنا عبدك الطائع الأمين
أنا الطاووس العابد..طاووس الملائكة
أنا المميز
أنا عبدك أمير السيف و النار رب العالمين
ذو الأجنحة الأربعة
فقط عرفني بعزتك السبب
أأسجد لغير مولاي مالك الملك ؟
أاسجد...لمن أنا خيرا منه ؟
خلقتني من نار و هي أعلي العناصر الأربعة
النور والنار والماء والهواء
أنا...
هنا قاطعني رب الملكوت
المعز المذل مالك الملك...قال
فإهبط منها فما يكون أن تتكبر فيها
و تكونن من الصاغرين
الذليلين الحاقدين
ممسوخ ملعون الي يوم الدين©
خيل الي إ إني أحلم
ماذا فعلت بنفسي لأعاقب؟
وأفقت علي صوت العدل القدوس
رب الملكوت قال يا إبليس
قلت ربي ورب العرش العظيم
قال الرب إ
إن جهنم لموعدك يا إبليس
رد إبليس جهنم لي أنا مولاي لعبدك الساجد
جهنم...لعبدك
و لماذا ؟
لأني رفضت السجود لغيرك
و لبشر من طين مهين
أليس الأمر مهين
أنت ربي و رب العرش العظيم
لكن
مهلا
هنا إكتشفت كم ظلمت نفسي
ماذا لو سجدت ؟
وانتهي الأمر ؟
أحقا كان لي حق الإختيار
أم الكل مسير لمصير
صاحب الأقدار
و قدري دور البطولة
انا العابد
سألعب دور الشر
في لعبة التية
أمام من ؟
من خلق في أحسن تقويم ؟
ويال الأقدار
و طيني مهين...
نعم لا شعوريا حقدت علي آدم
و إتخذت قراري
وحسم مصيري
و قلت لرب العرش العظيم
و عزتك وجلالك لأغوينهم أجمعين
إلا عبادك منهم المخلصين ©
و هنا دار بخلدي تسائل ؟
كيف عرفت أن آدم سيكون له نسل ؟
ولكني أفاق عل صوت رب العرش
يا إبليس
إخرج منها فإنك رجيم و إن عليك اللعنة الي يوم الدين ؟
هنا صحت توقعاتي..
ليس قرار
بل قدر الأقدار
خير وشرير
جنة و نار
وعرفت مهمنتي
و دوري
قلت لرب الملكوت
بما أغويتني لأزينين لهم في الأرض
و لأأغوينهم أجمعين الإ عبادك المخلصين
أي أرض...
الأن انا بقلب المتاهه..
و لما نطقت الأخيرة و من عبادة المخلصين؟
اي عباد ؟
قال المعز المذل إن عبادي ليس عليك عليهم سلطان
إلا من إتبعك من الغاوين
و إن جهنم موعدكم أجمعين©
رسمت الأقدار كل شئ...
وانا كعروس الماريونيت في عالمكم
أسير و انا المخير
قلت
يارب....أنظرني الي يوم ينظرون
و وعزتك وجلالك
لأغوينهم أجمعين
و آتيهم من بين أيديهم
و من خلفهم و عن إيمانهم
و شمائلهم
و لن تجدهم أكثرهم شاكرين ؟
قال الرب مبتسما ففاض نورة و قال
فإنك من المنظرين الي يوم يبعثون
تلك لعنتي ومأساتي
مهلا بني البشر..
انا أروي ونسيت بطل التية الثاني
أين آدم من كل هذا ؟
أراة الآن
هو الآن يتحسس خطاه
ولقد بدأت تحبه الملائكة
وسائر مخلوقات الجنة
أخلق لهذا فقط الجنة و نعيمها
هو لم يفهم بعد ما أدركته
.و لم يعلم إنه في الحياة صراع
صراع لا حدود له
بين آدم و إبليس
و هنا البداية
وتبدأ لعبتي معكم
فأنا من يعلم سر المختار
و
حواء و الحية الذهبية
والمسكوت عنة و سر الخطيئة
مخلصكم
إبليس
يتبع
محي الدين محمود حافظ
#المصادر...ابن كثير البداية والنهاية
#أخبار الزمان للمسعودي
#التلمود
#سفر التكوين

0 تعليقات