الفكر الاستراتيجي: تغيير السياسات لا الأشخاص




(٢)

ملامح حول مشروع الثورة الزراعية لتحقيق طفرة إنتاجية للاكتفاء الذاتي والتصدير

_______________________

 تمهيد: 

من الأزمات إلى الفكر الاستراتيجي:


في ظل ما تواجهه مصر من تحديات غذائية متصاعدة، لم تعد المعالجات التقليدية تجدي نفعًا، ولم يعد مقبولًا أن يظل ملف الزراعة، وهو الأهم والأخطر، حبيس القرارات الموسمية وردود الأفعال المتأخرة. وإذا كان "الجوع كافرًا" كما يُقال، فإن تجويع الشعوب هو قمة الفشل، وغفلة استراتيجية قد تهدم ما بُني في أعوام في لحظة واحدة.

إن السياسات الزراعية الحالية لا تواجه أزمة إنتاج فحسب، بل أزمة رؤية. وقد آن الأوان أن ننتقل من التبديل المتكرر للأشخاص، إلى تغيير السياسات والمفاهيم ذاتها، فالتنمية لا تصنعها الوجوه، بل تصوغها الأفكار.

في ماضٍ مجيد، كانت مصر خزانة قمح الأرض، ترسل غلتها إلى الجوار والعالم القديم. أما اليوم، فقد أصبحت واحدة من كبرى الدول المستوردة للغذاء: القمح، السكر، الزيوت، اللحوم، والأسماك.... الخ

تدهور الرقعة الزراعية، هدر المياه، التجريف، وغياب الإدارة العلمية، كلها عوامل صنعت أزمة مركبة تتجاوز السيولة النقدية إلى فقدان القرار الغذائي.

ان الاعتماد على القروض والمعونات لاستيراد الطعام ليس مجرد إخفاق اقتصادي، بل تهديد للسيادة. والسؤال الصادم: ماذا لو قررت الدول المصدّرة التوقف عن البيع؟ الجواب واضح: "نجوع" .


* ملامح مشروع الثورة الزراعية المقترحة:

__________________________

أولًا تحول بنيوي من الزراعة الفردية إلى الشركات المساهمة الزراعية

________________________

(١) دمج الملكيات الصغيرة المتجاورة وتحويلها إلى شركات مساهمة تمتلك الأرض وتديرها وفق قانون الاستثمار.


(٢) فصل الملكية عن الإدارة، بحيث تُدار الأرض بكفاءة علمية، ويشارك الملاك بأسهم لا بملكيات زراعية.


(٣) الاستعانة ببنوك التنمية لتكوين رأس المال، وإعفاءات ضريبية تشجيعية لمدة 10 سنوات.


(٤) استخدام تكنولوجيا الري الحديث، والطاقة النظيفة، وتحويل المخلفات إلى مصادر إنتاج.


ثانيًا مزارع الدولة كذراع رقابي من خلال السوق الموازي

_________________________

(١) تأسيس شركات زراعية عامة على الاراضي المستصلحة (نباتية وحيوانية) لإنتاج سلع استراتيجية.


(٢) طرح منتجات هذه الشركات عبر منافذ الدولة بأسعار اقتصادية عادلة (لا اجتماعية)، لخلق سوق موازٍ يضبط الأسعار دون اللجوء للتسعير الجبري.


(٣) وقف بيع أراضي الدولة للأفراد، وحصر الاستصلاح في أذرع الدولة الاستثمارية.


ثالثًا الفكر التنموي الاجتماعي والإداري المواكب:

_________________________

(١) إشراف الشركات على تنمية القرى الزراعية المحيطة، عبر مساهمات اجتماعية ملزمة.


(٢) توفير مراكز بحثية زراعية داخل الشركات نفسها لربط العلم بالإنتاج.


(٣) تدريب عمالة محلية واعية، وإنشاء نظام محاسبي شفاف.


(٤) إعادة هيبة الدولة دون الاعتماد على "البلدوزرات" أو المواجهات الأمنية.


** النتائج المتوقعة من هذا التحول الجذري

__________________________

(١) وقف نزيف الأراضي الزراعية دون الحاجة الى قرارات حمائية شرطية أو احكام قضائية فقد تحولت الملكيات الى أسهم، بل واستصلاح الصحراوية منها بوعي.

مع تخصيص ظهير صحراوي لكل شركة زراعية لانشاء مصانع ومعامل لتحويل المنتج الزراعي الى سلعة نهائية للاستهلاك المحلي والتصدير. 


(٢) تقليل البطالة من خلال خلق مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.


(٣) التحول من دولة مستوردة إلى مصدر غذائي إقليمي.


(٤) تحقيق توازن الأسعار، وزيادة دخل الفلاح، وتقليل نسب الفاقد من الإنتاج.


(٥) بناء اقتصاد غذائي سيادي لا يرضخ لمزاج الأسواق العالمية أو ضغوطات الاستيراد.


* بين الفكر والتنفيذ:

_________________

لسنا بحاجة إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية تتبنى الفكر لا الأشخاص، وإلى حوار مجتمعي يستمع إلى أهل الميدان لا أصحاب المكاتب. ما نقدمه ليس "خطة خمسية بيروقراطية"، بل ثورة استراتيجية سلمية تعيد تعريف الزراعة كصناعة ثقيلة وركن أساسي من أركان الأمن القومي.


** هل نحلم؟

نعم، ولكن برؤية واقعية فالثورات الكبرى بدأت بأحلام عظمى

نعم، من حقنا أن نحلم بمصر مصدرًا للغذاء، لا مستجديًا له.

من حقنا أن نرى مزارع الدولة تضاهي مزارع أوروبا، وشركاتنا الزراعية تنافس نظيراتها العالمية.

ومن حق كل مواطن أن يرى في الأرض كرامته، لا عبئًا يبيعه للهروب من فقر دائم. وليتحول مصطلح الفلاح الى مساهم او عامل زراعي فنحن في عصر صناعة الزراعة 


الخلاصة:

_______

الثورة الزراعية تبدأ من العقل فلن تُحل الأزمة الزراعية بتغيير الوزراء، ولا بخطب موسمية، بل بتغيير السياسات من الجذور، وبالتحول من الإدارة الفردية إلى العمل المؤسسي الرأسمالي الواعي.

ولعل هذه الرؤية تكون مساهمة في إشعال شرارة حوار وطني واسع.

فلعلها تصل يومًا إلى صانع القرار، لا لتُقرأ، بل لتُدرس وتنفذ.

لتحيا مصر عظيمة، بمفكريها وعلمائها وعمالها.


السيد فريج