أبناء الشهداء الأحياء عندما تتبنى الدولة أطفال رجالها
الكاتبة ندين نبيل ابوصالحه
لبنان 🇱🇧
في دول العالم الثالث، هناك وزارة لا يافطة لها. داخل الوزارة، مكتب بلا رقم. داخل المكتب، خزنة. وداخل الخزنة، ملف مكتوب عليه بخط اليد: ملف الحضانة السيادية.
هذه ليست رواية تجسس. هذا واقع يعيشه عشرات الأطفال في الظل. أطفال ليسوا أيتاماً، وليسوا لقطاء. آباؤهم أحياء، أمهاتهم شريفات، وبيوتهم عامرة. لكنهم محرومون من كلمة واحدة: باب
من هم؟
هم أبناء الدولة. أولاد ضباط العمليات الخاصة، ورجال الظل، وشهود الملفات السوداء. وُلدوا بجرم واحد: أنهم أبناء رجل يعرف أكثر مما يجب.
القاعدة الأولى في جهاز المخابرات: الضابط الذي له نقطة ضعف، هو ضابط ميت. والابن هو نقطة الضعف الأكبر. فكان الحل: اقتل نقطة الضعف قبل أن تقتلك.
كيف؟ لا يقتلون الطفل. يقتلون أبوته.
ثلاثة سيناريوهات لاغتيال الأبوة
سيناريو لنائم
ضابط يُزرع في دولة معادية لـ30 عاماً. يتزوج وينجب هناك. الدولة الأم تدرك أن الطفل قنبلة موقوتة لو بقي، سيُكتشف الأب. فيُهرّب الطفل بعمر 4 سنوات إلى دار الأمان داخل ثكنة عسكرية. يكبر على أنه يتيم حرب. أبوه يرى تقارير نموه الشهرية، لكنه لم يلمس يده مرة. لو التقيا صدفة، القانون يفرض على الأب أن يشيح بوجهه ويمضي.
سيناريو الثغرة.
ضابط يمسك ملف يوم القيامة العدو يريد الملف. أسهل طريقة: خطف ابنه ذي السبع سنوات. الدولة تسبقهم بخطوة: تُعلن وفاة الطفل بمرض، وتقام له جنازة رمزية. في نفس الليلة، يُنقل الطفل إلى مدرسة داخلية سرية. اسمه الجديد مؤسسة او دير يرى والده مرة في العام من خلف زجاج عاكس. التعليمات: ممنوع قول كلمة بابا. ناديه سيدي اللواء.
سيناريو لرهينة البديلة
مدير جهاز سيادي يفاوض تنظيماً إرهابياً. التنظيم يطلب ابنه رهينة كضمان. الدولة لا تسلم ابنها الحقيقي. تقدم ابن مؤسسة بهوية مزورة. تنجح الخدعة، لكن الثمن فادح: الابن الحقيقي يجب أن يختفي إلى الأبد، كي لا تُكتشف الكذبة. فيُمنح لعائلة بديلة. أبوه الشريف يموت كل يوم وهو يرى صوره فقط.
كيف يعيش ابن المؤسسة !
الاسم: لا يحمل اسم عائلة. يُنادى سارة أمان أو خالد سيادة. اسمه الكامل يُدفن مع ميلاده.
العيد: يعايد ابا اللواء مدير الدار. أما أبوه الحقيقي، فيرسل له عيدية مع ضابط اتصال، بلا بطاقة معايدة.
الزواج عندما يحب، لا يطلب يدها من أبيها. يطلب ملفها من شعبة التدقيق الأمني المخابرات هي التي توافق أو ترفض العروس بعد 3 سنوات مراقبة.
الحقيقة لا يعرفها إلا في سن الأربعين. ويُجبر على توقيع وثيقة الصمت لو بحت بكلمة، يُحرم أطفال الدار الجدد من الحليب.
وماذا عن الأب الشريف؟
هو تجلس في غرفة عمليات، أمامه ست شاشات، وبين يديه التقرير الشهري عن ابنته يقرأ فيه: وزنه، طوله، علاماته، هل مرضت؟ هل ضحكت؟
لكن التقرير بلا صورة. الصور ممنوعة، لأن الصور تُسرق، والعدو يتاجر بالدموع.
هو وقّع يوماً على وثيقة تقول: الوطن أولاً... وبعد الوطن، لا أحد.
لماذا تفعل الدولة ذلك؟
الأمن القومي: الضابط الذي له ابناو ابنة ، يمكن ليّ ذراعه. بإخفاء الابنة، تصبح الضابط سلاحاً بلا زناد.
علم نفس القاتل: من يوقع على أوامر الإعدام يجب أن يكون ميت القلب. وحضن الابن كل مساء يُحيي القلب، والقلب الحي لا يصلح لهذه المهنة.
الوقاية من الانتقام: ابن الضابط الكبير وعندما يوجد ابنة وحيدة هو هدف مثالي لتجنيده مستقبلاً للانتقام من أبيه ومن الدولة.
هؤلاء الأطفال هم ضريبة العرش. الثمن الصامت الذي تدفعه قلة من العائلات الشريفة كي تنام مدن كاملة بأمان.
هم ليسوا لقطاء. هم أبناء شرعيون لآباء أحياء.دفنوا أبوتهم بإرادتهم
وعندما يسألهم أحد في المدرسة: شو بشتغل أبوك، يجيبون بالجملة التي حفظوها:
أبوي شهيد... والوطن أبوي الثاني.
وهي نصف الحقيقة. النصف الآخر، محفوظ في خزنة، في مكتب بلا رقم، في وزارة بلا يافطة.
ملاحظة: الأسماء والتفاصيل رمزية لحماية أصحابها. لكن القصة.. حقيقية أكثر مما نتحمل.




0 تعليقات