عندما تتحول الأم لخادمة




بقلم د ناجح إبراهيم 

• جاءتني مع ابنتها في السنة الأولى الثانوية,عندها همت الابنة بالصعود على سرير الفحص إذا بأمها تقوم بنزع حذائها دون رفض أو خجل من الابنة,عجبت لهذا المنظر العجيب الذي تكرر أمامي عدة مرات في فترات متقاربة وكان يسبب لي في كل مرة ألماً وحزناً داخلياً كبيراً,فكيف لهذه الفتاه الشابة أن تقبل لأمها المهانة والذلة فتنزع حذاءها ثم جوربها ثم بعد الفحص تلبسها إياها وهي راضيه قانعة.

• وجدت نفسي مثل كل مرة يتكرر فيها هذا المنظر المؤسف أمنع الأم من ذلك,قائلاً لها لا يصح للأم أن تفعل ذلك,وناهراً البنت من قبوله فلا هي طفلة صغيرة أو بها مرض يحول بينها وبين أن تخلع حذاءها وجوربها بنفسها.

• وإذا بالبنت تقول في كبرياء وتسلط:مفيش فرق بيني وبين أمي هي تخلع حذائي وأنا أفعل ذلك معها .

• قلت لها:- وهل فعلاً خلعت حذائها وجوربها حتى لو مرة واحدة,أتحداك في ذلك,فتقول في خجل:الحقيقة لم يحدث .

• قلت لها: طبعاً وأظنه لن يحدث,وكان المفروض عليك وأنت شابه أن تخلعي حذائك وجوربك بنفسك,وإذا حاولت ذلك أمك تقبلي يديها وتمنعيها فوراً من ذلك,كانت الفتاه عندها برود وبلادةً غير مسبوقة.

• هذا الموقف يتكرر أمامي كل عدة أيام وقد حسمت أمري وعزمت أن امنعه دوماً,وأقول للأم:إذا فعلت ذلك فأنت تقدمين للمجتمع ابنه متواكلة كسولة لا تعرف قدر الأب والأم,ولن تعرف قيمة الزوج أو القائد,ولن تكون لديها أي ملكة تربوية أو إدارية.

• يتكرر في حياتي كل يوم أن يدخل الأولاد مع أبيهم وأمهم فيجلس الأولاد على الكرسيين المواجهين للطبيب ويقف الأب والأم في مذلة ظاهرة فأنهر الأولاد عن ذلك وأقول لهما: كيف تجلسان قبل والديكما وفي مكانهما,اجلسوا في الأماكن الأخرى بعد والديكما.

• ظاهرة أن الأولاد هم السادة والأم والأب بمثابة العبيد أصبحت فاشيه في المجتمع المصري,البنت لا تفعل شيئاً منذ ولادتها وحتى إنهاء دراستها بالجامعة  قد لا تسقى نفسها إن عطشت ولا تكلف نفسها أن تغسل جوربها فالأم الخادمة موجودة,كل ذلك بحجة المذاكرة والتفرغ لها,في حين أن هذه الطالبة تمكث ساعات مع " تليفونها وفيسها وواتسها " وتتحدث مع صديقاتها بالساعات في رغي مكرر لا فائدة منه لكنها تحتج بالمذاكرة عند أي مسؤولية,الأولاد يعتبرون أنفسهم السادة والخادمة الأم موجودة,فلماذا العمل.

• نادراً ما أجد فتاة تقف إلي جوار أمها أثناء فحصها,دائماً أجدها جالسه على الكرسي تتفحص التليفون دون أن تتذكر أن أمها كانت تقف إلي جوارها تغطيها وتطمئن عليها وتقدمها على نفسها.

• هؤلاء الأولاد لم يقرع سمعهم يوماً قصة جريج العابد الذي ذاق الويلات لأنه قدم صلاة النافلة على الرد على نداء أمه حتى دعت علية,فاتهمته إحدى المومسات بالزنا، حتى نجاه الله.

• ولو دعت علية أمه بالفتنة لفتن,وأنا ممن يحب هذه القصة وأعشق مدلولاتها العميقة دائماً.

• والشريعة الغراء وفقه الإسلام العظيم يأمر الابن والابنة أن يقطع صلاة النافلة ويجيب امة ويذهب إليها حتى لو كانت تطلبه لأمر عادي من أمور الحياة.

• كثير من الأولاد يعنفن أمهاتهن حتى  عند الطبيب لمجرد رأي تقوله الأم,وعادة ما يكون رأيها صحيحاً فأرى الأم تنكمش في نفسها من"شخطة ونظرة"البنت الجبارة أو الابن القاسي فأنظر للأم نظرة رثاء وألم.

• هيبة ومكانة الأب والأم في الأسرة المصرية إلي زوال بعد أن تحول الأب إلي بنك لتمويل نشاطات الأولاد التي تروق للأب أو لا تروق له,وبعد أن تحولت الأم إلي شبه خادمه لن يرضى عنها الأسياد الجدد مهما بذلت وضحت.

• كلما كتبت روشتة للأم وأحد أولادها أفاجئ في الاستشارة أن الأم قدمت أولادها واشترت العلاج لهم ولم تحضر العلاج لنفسها قائلة بصوت هامس:المهم أولادي,أنا لست مهمة,هم أولى مني,سأحضره لنفسي حين ميسره,فأقول لابنها أو بنتها:هذه هي الأمومة العظيمة,ليتك تدرك هذا المعنى,ورغم ذلك أرى الابن صامت دون حتى كلمة شكر يسعد بها أمه,وكأنه أخرس أو عديم المشاعر في الوقت الذي تتدفق مشاعره بالكلمات الجميلة نحو أصدقائه وينطلق لسانه معهم بسرعة الصاروخ. 

• عادة ما أجد ابناً أو بنتاً تزأر في أمها بألسنة حداد ووجه مكفهر "ماما" فتنكمش الأم في جلدها صامته خوفاً من السادة الجدد.

• هؤلاء الأبناء لم يعيشوا بقلوبهم ومشاعرهم مع قوله تعالى الموجه لكل إنسان مهما كان دينه وعرقه ولونه "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ " " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".

• كل هذه البدايات هي الذي أدت مع غيرها إلي فشل زواجات هؤلاء الأولاد لأنهم سيدخلون الزواج دون أن يحملوا أي قدر من المسؤولية,أو احترام الأكبر,أو القائد, أو تقدير عطاءات الآخرين,أو حسن إدارة البيوت.

• الأسرة المصرية في حاجة لإصلاح جذري يبدأ من تعلم سلم الحب والولاء لله المحبوب الأعظم أولاً ثم الوالدين و الوطن والأهل والأساتذة و..و..و.. حتى يحب الكون كله ويتناغم مع الكون والحياة.