اعترافات وردة على أريكة العلاج
حين يصبح تساقط البتلات بدايةً للشفاء
بقلم منى بغدادي 🇪🇬
قال لي المعالج : " متى بدأتِ تذبلين ؟ "
ابتسمتُ بحزن وأجبت :
" لا أذكر متى ذبلت … لكنني أذكر جيداً متى بدأتُ أتساقط . سقطت أول بتلة يوم صدقتُ أن عليَّ أن أظل جميلة في عيون الجميع حتى وأنا أنزف . "
ومنذ ذلك اليوم … صرتُ وردة تجلس على أريكة العلاج تُحصي بتلاتها المفقودة كما يُحصي الناجون آثار معاركهم .
كانت كل بتلة حكاية وكل حكاية جزءاً مني :
سقطت أول بتلة يوم خذلني شخص أحببته ، فتعلمتُ أن الحب لا يعصم القلوب من الانكسار .
وسقطت الثانية مع كلمات جارحة لم تترك جرحاً يُرى ، لكنها تركت ندبةً في الروح .
أما الثالثة فسقطت يوم فقدتُ عزيزاً فعرفتُ أن بعض الغياب لا يترك فراغاً حولنا فحسب بل يقتطع جزءاً منا ويمضي .
وسقطت الرابعة حين استنزفتُ نفسي في إسعاد الآخرين حتى نسيتُ أن لي قلباً يحتاج إلى العناية أيضاً .
ثم جاءت الخامسة يوم أقنعتُ نفسي بأن عليَّ أن أظل مشرقة دائماً ، وأن أرتدي ابتسامتي حتى في أشد لحظات ألمي خوفاً من أن يفقد الآخرون إعجابهم بالوردة .
كنتُ أشعر مع كل بتلة تسقط وكأن شيئاً مني يرحل إلى غير رجعة . كنتُ أخفي ألمي لأنني ظننت أن الحب مشروط بالكمال و أن الناس لا يحبون إلا الورود المكتملة .
حتى جاء اليوم الذي أدركتُ فيه حقيقة لم أنتبه إليها من قبل :
لم أكن أذبل … كنتُ أتعافى .
فبعض البتلات لا تسقط لأنها ماتت بل لأنها أدت رسالتها وحان وقت التخفف منها .
عندها فهمتُ أن السقوط ليس دائماً هزيمة وأن بعض الانكسارات ليست نهاية الطريق … بل بداية طريق أكثر صدقاً مع النفس .
لم تكن لعنة الوردة في تساقط بتلاتها بل في إصرارها طويلاً على إخفاء ألمها حتى لا يفقد الآخرون إعجابهم بجمالها .
نهضتُ من على أريكة العلاج ونظرتُ إلى ما تبقى مني .
لم أعد تلك الوردة المكتملة التي كانت تتباهى بكثرة بتلاتها ، لكنني صرتُ أعرف نفسي أكثر .
أدركتُ أن الجمال ليس أن أبقى متماسكة رغم الألم بل أن أملك شجاعة الاعتراف به . وأن الشفاء لا يبدأ عندما تتوقف بتلاتنا عن السقوط بل عندما نتوقف عن الخوف من أن يرانا الآخرون ونحن نتساقط .
جمعتُ بتلاتي المتناثرة بعيني وابتسمت .
للمرة الأولى لم أرَ فيها بقايا وردة ذابلة …
بل رأيتُ فصولاً من نجاتي






0 تعليقات