أمي طلعت بريئة
قصة اجتماعية نفسية من قلب الواقع المصري
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام
يوم ما محمود رجع من دفنة أمه لقى تحت مخدتها ظرف أصفر مكتوب عليه لابني محمود لما يعرف الحقيقة مسكه وابتسم بسخرية وقال حقيقة إيه تاني يا أمي هو أنا ناقص وجع لكنه مكنش يعرف إن الورقة اللي في إيده هتهد كل اللي صدقه طول عمره
محمود كان عنده خمسة وتلاتين سنة متجوز وعنده بنت اسمها مريم طول عمره فاكر إن أمه أمينة سابته وهو صغير وهربت مع راجل تاني أبوه هو اللي حكى له الحكاية وكان كل ما يسأله عنها يقول أمك باعتنا يا محمود فكبر وهو شايل جواه كره لست مكنش يعرف عنها غير اللي سمعه
لما تم عشرين سنة عرف مكانها وراح لها كانت عايشة في أوضة صغيرة فوق سطح بيت قديم خبط على الباب فتحت ولما شافته صرخت محمود يا ضنايا وجريت تحضنه لكنه رجع لورا وقال متلمسينيش أنا جاي أسألك سؤال واحد ليه بعتيني وقفت مكانها والدموع في عينيها وقالت مين قال لك إني بعتك رد بعصبية أبويا سكتت شوية وقالت ربنا يرحمه فقال لها يعني الكلام صح مدت إيدها ناحيته وقالت طب اقعد واسمعني لكنه سابها ومشي وهي بتنادي عليه من آخر السلم يا محمود والله ما بعتك يا ابني
عدت خمستاشر سنة وهي بتحاول تقرب منه وكل مرة كان بيقفل الباب في وشها في العيد تبعت له جواب يرجعه من غير ما يفتحه ويوم فرحه راحت تبارك له وقف قدام القاعة وقال إنت جاية تعملي إيه قالت جيت أشوفك عريس يا حبيبي قال فرحي مش ناقص فضايح بصت لبدلته وابتسمت وسط دموعها وقالت ربنا يسعد قلبك يا ضنايا ومشيت
ولما خلف بنته مريم اشترت لها فستان صغير وراحت بيته فتحت لها مراته الباب لكن محمود أول ما شافها قال إنت مين سمح لك تيجي هنا قالت جيت أشوف حفيدتي رد بنتي ملهاش جدة» مدت له علبة الهدية وقالت طب خد دي ليها لكنه قفل الباب في وشها فضلت واقفة شوية وحطت العلبة قدام الباب ومشيت
مرت السنين والحاجة أمينة كبرت وتعبت وفي يوم دخلت المستشفى ولما عرف محمود قالت له مراته روح شوف أمك يمكن تكون محتاجاك رد أنا مليش أم وبعد يومين جاله اتصال بيقول إن الحاجة أمينة ماتت
راح استلم جثمانها ودفنها وكان واقف قدام القبر ساكت لا بيعيط ولا بيتكلم لحد ما قرب منه راجل كبير وقال إنت محمود ابن أمينة قال أيوه رد أنا عمك إبراهيم أخو أبوك وكنت مستني اليوم اللي أقول لك فيه الحقيقة
محمود استغرب وقال حقيقة إيه قال عمه أبوك الله يرحمه كان مديون وداخل في مشاكل كبيرة وأمك باعت دهبها وورثها عشان تسدد عنه ولما الفلوس خلصت اشتغلت في بيت تاجر كبير بتنضف وتغسل وتطبخ عشان تجيب باقي الفلوس ولما الناس بدأت تتكلم أبوك خاف على سمعته وبدل ما يدافع عنها طلقها وقال إنها سابته ومشيت
محمود حس إن الأرض بتميد بيه وقال طب وهي ليه مقالتليش رد عمه عشان مكنتش عايزة تكسر صورة أبوك في عينك وكانت دايما تقول سيبه يحب أبوه أنا أستحمل كرهه بس ميكرهش أبوه وأمه مع بعض
رجع محمود أوضة أمه بعد الدفنة فتح الدولاب لقى شنطة قديمة مليانة جوابات كلها مكتوب عليها اسمه وفي درج صغير لقى صورته وهو في المدرسة وصورته يوم التخرج وصورة فرحه وصورة بنته مريم وتحت الصور ورقة مكتوب فيها أنا كنت بشوفك من بعيد يا محمود يوم تخرجك وقفت ورا سور الكلية ويوم فرحك وقفت قدام القاعة ويوم بنتك اتولدت استنيت تحت المستشفى كنت برجع كل مرة وأنا بقول الحمد لله شفته حتى لو هو مشافنيش
قعد محمود على سريرها وفتح الظرف اللي لقاه تحت المخدة وبدأ يقرا
يا محمود يا حبيبي لو الجواب ده وصلك يبقى أنا مشيت من الدنيا أنا عمري ما بعتك ولا سبتك بمزاجي أنا كنت كل ليلة أحط مخدتي في حضني وأفتكر إنك نايم عليها زي زمان وكل ما أسمع خطوات على السلم أجري أفتح الباب وأقول يمكن محمود جه ولما ألاقي حد غيرك أرجع أقفله وأقول يمكن ييجي بكرة
أنا مش زعلانة منك يا ابني أنا عارفة إنك سمعت حكاية وصدقتها بس كان نفسي مرة واحدة تسمع حكايتي أنا كمان كان نفسي أحضنك وأقول لك إني عمري ما نسيتك ولو رجع بيا العمر ألف مرة كنت هختار أتعب أنا ولا أشوفك موجوع
خلي بالك من مريم يا محمود ومتخليهاش تستنى حضنك زي ما أنا استنيت حضنك العمر كله
وقع الجواب من إيده وبدأ يعيط ويقول أنا ظلمتك يا أمي أنا ظلمتك
وفجأة لمح علبة صغيرة تحت السرير فتحها لقى فيها فستان بنت صغير لسه متغلف وجنبه ورقة مكتوب عليها لمريم بنت محمود من تيتة أمينة كنت نفسي أشيلك مرة واحدة قبل ما أموت
محمود حضن الفستان وصرخ يا أمي سامحيني والله ما كنت أعرف
تاني يوم خد بنته مريم وراح المقابر وقف قدام قبر أمه وقال اقري الفاتحة لتيتة يا حبيبتي سألته البنت هي تيتة كانت بتحبني يا بابا قال كانت بتحبك قوي قالت طب ليه عمرها ما جت تشوفني سكت محمود فقالت هو إنت كنت زعلان منها
نزل على ركبته قدام القبر وقال أنا اللي منعتها يا بنتي أنا اللي قفلت الباب في وشها
بص للقبر وكمل بصوت مكسور يا أمي أنا جيت أهو وجبت لك مريم البنت اللي كنت نفسك تشوفيها قومي يا أمي شوفيها مرة واحدة بس وأنا أوعدك مش هبعدك عنها تاني
لكن مفيش غير صوت الهوا بين القبور
وفي آخر الليل رجع محمود أوضة أمه ونام على سريرها وحط مخدتها في حضنه زي ما كانت بتعمل وهي بتفتكره وفضل ينادي يا أمي يا أمي لحد ما غلبه النوم
الصبح مراته دخلت عليه ولقته نايم وحاضن مخدة أمه وفي إيده صورتها القديمة
صحته وقالت قوم يا محمود هنروح بيتنا
بص لها وقال أنا طول عمري كنت فاكر إن أمي سابتني لكن الحقيقة إني أنا اللي سبتها
وسكت لحظة وكمل
عارفة إيه اللي هيفضل يوجعني طول عمري إني كنت أقدر أسمع منها كلمة يا ابني كل يوم بس أنا اخترت أسمعها بعد ما ماتت من جواب
خرج محمود من أوضة أمه وقفل الباب وراه لكنه ساب المفتاح في مكانه يمكن يرجع يوم ويسمع صوتها بتنادي عليه
كان فاكر إن أمه محتاجة تسامحه لكن الحقيقة إنها كانت مسامحاه من زمان
هو اللي عمره ما عرف يسامح نفسه
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام




1 تعليقات
شكر وتقدير لقامة أدبية وإعلامية نعتز بها ديلي جراف نيوز عربية والإدارة المركزية وجميع القائمين على هذا الصرح العظيم
ردحذفبكل مشاعر المحبة والفخر والاعتزاز أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير إلى القامة الأدبية والإعلامية الراقية ديلي جراف نيوز عربية والإدارة المركزية على هذا الاهتمام الكريم والنشر المشرف لقصتي الاجتماعية ضمن صفحات
إن سعادتي اليوم لا تقتصر على نشر عمل أدبي جديد وإنما تمتد إلى هذا التقدير الجميل الذي يؤكد أن الكلمة الصادقة حين تخرج من وجع الناس تجد دائما من يحتضنها ويمنحها المساحة التي تستحقها
لقد كتبت هذه القصة لتكون صرخة في وجه عقوق الوالدين ورسالة لكل ابن نسي فضل أبيه ولكل إنسان يقيس قيمة البشر بمظاهرهم لا بتضحياتهم
وما أجمل أن تجد هذه الرسالة طريقها إلى القراء عبر منبر ثقافي يحترم الإبداع ويقدر أصحابه
كل الشكر والتقدير على هذا العطاء الراقي والجهود المخلصة في خدمة الأدب والثقافة
وأسأل الله أن يديم عليكم النجاح والتألق وأن تظل مؤسستنامنارة تحتضن الأقلام المبدعة وتفتح أبوابها لكل كلمة تحمل رسالة إنسانية نبيلة
فالأقلام المخلصة لا تبحث عن التصفيق بقدر ما تبحث عن قلب توقظه وعقل تنيره وضمير تحركه
دمتم عنوانا للرقي والوفاء وجمال العطاء
خالص محبتي واحترامي وتقديري
الكاتب الصحفي وشاعر البسطاء سعيد أمام