النصيب اللي محدش طلبه
بقلم شاعر البسطاء سعيدسعيدامام
بعد موت الحاج عبدالرحيم بثلاثة أيام اجتمع أولاده الأربعة في البيت القديم
مش عشان يفتكروه
ولا عشان يقروا له الفاتحة
لكن عشان يقسموا اللي سابه
كان عبدالرحيم موظف بسيط قضى خمسة وثلاثين سنة في مصلحة حكومية
لا امتلك أرضا واسعة ولا كان صاحب تجارة
كل اللي تركه شقة قديمة ومحل صغير تحت البيت ومبلغ في البنك
لكن بالنسبة لأولاده كان كفاية عشان يبدأ الخلاف
فتحي الكبير قال
المحل أنا أولى بيه عشان أنا اللي كنت واقف مع أبويا
اعترض كمال
واقف معاه في ايه
انت كنت بتاخد منه أكتر ما بتديله
دخلت سعاد
وأنا وأختي مالناش حق ولا ايه
رد فتحي
مين قال كده
كل واحد هياخد حقه
كانت أمهم الحاجة نعيمة قاعدة في آخر الصالة
من ساعة ما بدأ الكلام وهي ساكتة
بصت لأولادها
أربعة أشخاص خرجوا من بطنها
كبروا قدام عينها
دلوقتي كل واحد فيهم ماسك ورقة وقلم وآلة حاسبة
ولا واحد سألها
انتي هتعيشي ازاي بعد أبويا
قالت بهدوء
استنوا لما الأربعين يعدي
فتحي رد
يا أمي احنا مش بنتخانق
احنا بنرتب
ابتسمت نعيمة ابتسامة موجوعة
وقالت
أنا عارفة ترتيبكم
أبوكم كان لسه بيتنفس وانتوا بترتبوا
سكت الجميع
بعد أسبوع حضر محام كان صديقا قديما للحاج عبدالرحيم
وضع ملفا على الترابيزة
وقال
أبوكم ساب ورق لازم تشوفوه
اقترب الأربعة
فتح فتحي الملف بسرعة
توقعوا عقودا
أرصدة
ربما ملكية لم يعرفوا عنها شيئا
لكن أول ورقة كانت إيصال قرض قديم
الثانية إيصال قرض آخر
الثالثة مصاريف جامعة
الرابعة فاتورة مستشفى
قال كمال
ايه الورق ده
المحامي قال
دي حسابات أبوكم
ضحك فتحي
حسابات ايه
قال المحامي
الحساب اللي محدش فيكم فكر يحسبه
وأخرج أربعة ملفات صغيرة
على كل ملف اسم واحد منهم
ناول فتحي ملفه
فتحه
وجد إيصالات قديمة يعود بعضها لأكثر من عشرين سنة
قرض أخذه أبوه يوم زواجه
أقساط أجهزة
مبلغ دفعه لإنقاذ مشروع فشل
وفي آخر الملف ورقة بخط أبيه
فتح فتحي الورقة
كان مكتوبا فيها
فتحي ابني الكبير
أول فرح دخل بيتي
وأول خوف دخل قلبي
يوم اتجوز مكنش معايا فلوس كفاية
استلفت
ومقولتلوش
عشان يدخل بيته رافع راسه
وقف فتحي عن القراءة
أخذ كمال ملفه
وجد مصاريف كلية خاصة أصر على دخولها رغم أن أباه لم يكن يملك تكلفتها
وتحت الإيصالات ورقة
كمال كان نفسه يتعلم
كنت برجع من الشغل أدور على شغل تاني
مش عشان كنت قوي
عشان مكنتش عايز ابني يحس إن حلمه أكبر من جيب أبوه
بدأ وجه كمال يتغير
سعاد فتحت ملفها
وجدت إيصالات علاج ابنها عندما مرض وهو طفل
هي نفسها كانت قد نسيت المبلغ
لكن أباها لم ينس
وفي الورقة كتب
سعاد عمرها ما طلبت
عشان كده كنت بحاول أديها قبل ما تطلب
بقي الملف الرابع
ملف هناء
أصغرهم
لم تفتحه
بدأت تبكي قبل أن تعرف ما فيه
لأنها تذكرت شيئا
يوم تخرجها
كانت قد طلبت من أبيها فستانا غاليا
رفض في البداية
فغضبت
وقالت له
انت عمرك ما عملت لنا حاجة زي الناس
اشترى الفستان في اليوم التالي
وارتدته
واتصورت
وفرحت
ولم تسأله أبدا من أين جاء بثمنه
فتحت الملف
وجدت إيصال بيع
قرأته
كان أبوها قد باع ساعة يده القديمة في نفس الأسبوع
الساعة الوحيدة التي ورثها عن أبيه
وضعت هناء الورقة على صدرها وانفجرت في البكاء
لكن المحامي قال
لسه مخلصناش
نظروا إليه
أخرج دفترا صغيرا
وقال
أبوكم طلب مني أديه لأمكم بعد موته
مده إلى الحاجة نعيمة
رفضت أن تفتحه
قالت
اقرأه انت
فتح المحامي الصفحة الأولى
كان الحاج عبدالرحيم يسجل فيها مصروف البيت منذ سنوات
لكن في آخر الصفحات لم تكن هناك أرقام
كانت أسماء أولاده
وبجوار كل اسم جملة
فتحي
يارب يسدد دينه
كمال
يارب ينجح مشروعه
سعاد
يارب ابنها يخف
هناء
يارب تفضل مبسوطة
قلب المحامي الصفحة الأخيرة
وكان فيها
نعيمة
حقها عندي عمر كامل
نفسي أسيب لها حاجة تعيش منها من غير ما تحتاج لحد بعدي
رفع الأولاد رؤوسهم
سأل فتحي
ساب لها ايه
قال المحامي
المحل
قال كمال بسرعة
بس المحل داخل في الورث
المحامي لم يرد
نظر إلى الحاجة نعيمة
هي التي أجابت
أبوكم باع المحل قبل ما يموت بسنة
وقف فتحي
باعه
أمال الفلوس فين
قالت نعيمة
صرفها
على ايه
أشارت إلى الملفات الموضوعة أمامهم
قالت
عليكم
لم يتكلم أحد
فتحي نظر إلى ملفه
كمال طأطأ رأسه
سعاد مسحت دموعها
وهناء كانت لا تزال تمسك إيصال الساعة
ثم سألت هناء أمها
والفلوس اللي في البنك
ابتسمت نعيمة
وقالت
دي كانت فلوس علاج أبوكم
هو اللي رفض يكمل علاج غالي لما عرف إن فرصته ضعيفة
قال لي
سيبيهم للعيال
يمكن ينفعوهم أكتر ما هينفعوني
وقع الصمت على البيت
لأول مرة لم يكن هناك شيء يحتاج إلى قسمة
كانت هناك أشياء تحتاج إلى فهم
قام فتحي
جمع الأوراق
ووضعها أمام أمه
وقال
أنا مش عايز حاجة
ردت أمه
لا يا ابني
حقك تاخده
بص لها وقال
أنا خدت حقي من زمان
بس مكنتش عارف
في المساء انصرف الجميع
وبقيت هناء مع أمها
دخلت غرفة أبيها
فتحت الدولاب
وجدت بدلته القديمة
قميصين
ثلاث جلاليب
وحذاء أصلحه أكثر من مرة بدلا من شراء غيره
جلست على سريره
وفهمت لأول مرة كيف يستطيع رجل أن يموت ولا يترك ثروة
ثم يكتشف أولاده بعد رحيله
أنه أنفق ثروته كلها عليهم
في اليوم التالي اجتمع الإخوة مرة أخرى
لكن هذه المرة لم تكن الآلة الحاسبة فوق الترابيزة
وضع فتحي ملفات أبيه مكانها
وقال
إحنا امبارح كنا جايين نقسم ورث أبويا
وسكت لحظة
ثم أكمل
بس الظاهر إن أبويا قسم نفسه علينا من زمان
أخذ كل واحد منهم ملفه
ولم يتبق على الطاولة إلا الدفتر القديم
فتحته الحاجة نعيمة بعد خروجهم
وجدت في الصفحة الأخيرة سطرا لم يقرأه المحامي
كان عبدالرحيم قد كتبه لها وحدها
نعيمة
لو العيال اختلفوا بعدي متزعليش منهم
هما فاكرين إني سايب لهم شوية فلوس
لسه معرفوش إن الحاجة الوحيدة اللي كنت بملكها بجد
كانت عمري
وأنا اديتهولهم كله
ضمت نعيمة الدفتر إلى صدرها
وقالت وهي تنظر إلى صورته
حتى وانت ماشي يا عبدالرحيم
سايب لهم أكتر من نصيبهم
بقلم
الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام



0 تعليقات