نِعْمَةُ الأَمْنِ وَالأَمَانِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ
بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
ليست النِّعَمُ كلُّها أموالًا تُحصى، ولا قصورًا تُشيَّد، ولا مناصبَ يرتفع بها أصحابُها بين الناس؛ فهناك نِعَمٌ أعظمُ من المال، وأغلى من كنوز الدنيا، لا يعرف قيمتَها حقَّ المعرفة إلا مَن فقدها أو عاش محرومًا منها، وفي مقدمتها نعمة الأمن والأمان.
أن تستيقظ من نومك مطمئنَّ القلب، وتخرج من بيتك دون خوف، وتسير في الطرقات آمنًا، وتنام وأطفالك حولك في سلام، وتؤدي صلاتك دون تهديد، وتعمل وتسعى إلى رزقك دون أن يطاردك شبح الحرب أو الخوف؛ فهذه نعم عظيمة تستحق الحمد والشكر ليلًا ونهارًا.
ولقد امتنَّ الله تعالى على قريش بهذه النعمة الجليلة، فقال سبحانه:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4].
فقرن الله الأمن بإطعام الجائع، وكأن الآية تذكِّرنا بأن الإنسان لا تكتمل سعادته بمجرد امتلاء بطنه، بل يحتاج إلى قلب مطمئن، ونفس آمنة، ومجتمع يحفظ حياته وكرامته.
وقال تعالى ممتنًّا على عباده بنعمة الاستقرار: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126].
تأملوا هذا الدعاء العظيم؛ فقد قدَّم نبي الله إبراهيم عليه السلام الأمن في دعائه قبل الرزق، وفي ذلك دلالة على عظيم مكانته في حياة الإنسان؛ فماذا تنفع الثروات إذا غاب الأمان؟ وما قيمة البيوت الفاخرة إذا كانت تسكنها القلوب المرتجفة؟ وما جدوى الطعام الوفير إذا كان الإنسان يخشى على نفسه وأهله في كل لحظة؟
إن الأمن أساس الحياة الكريمة، وركيزة النهضة، وشرط من شروط البناء والتقدم. ففي ظلاله تزدهر المدارس والجامعات، وتُعمَر المساجد، وتُزرَع الأرض، وتُقام المصانع، وتنمو التجارة، وتطمئن الأسر، وينشأ الأطفال في بيئة تمنحهم الأمل والثقة بالمستقبل.
أما إذا غاب الأمن، تفرَّقت الأسر، وضاعت الممتلكات، وتوقفت مسيرة العلم والعمل، وأصبح الإنسان يبحث عن مأوى يحميه بدلًا من أن يبحث عن حلم يحققه.
وقد بيَّن النبي ﷺ عظيم هذه النعمة بقوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»؛ رواه الترمذي (2346)، وحسَّنه بعض أهل العلم.
يا لها من كلمات تختصر فلسفة السعادة! أمنٌ في الوطن، وعافيةٌ في الجسد، وقوتٌ يكفي اليوم؛ ثلاث نعم قد يملكها الإنسان فيغفل عنها، بينما يتمنى غيره أن ينال واحدة منها.
ولذلك، فإن شكر نعمة الأمن لا يكون باللسان وحده، بل يكون بحفظ الحقوق، واحترام القانون، ونبذ العنف، وإصلاح ذات البين، ونشر المحبة، والابتعاد عن الفتن والشائعات، والوقوف في وجه كل ما يهدد استقرار المجتمع. كما أن الأمن الحقيقي لا يقوم على الخوف والظلم، بل يترسخ بالعدل، وصيانة الكرامة، وتحقيق المساواة أمام القانون، وحماية الضعفاء والمظلومين.
إن مسؤولية الأمن ليست مسؤولية الحاكم وحده، ولا أجهزة الدولة وحدها؛ بل هي مسؤولية الجميع: الأسرة في تربية أبنائها، والمعلم في غرس القيم، والإعلامي في تحرِّي الحقيقة، والمفكر في نشر الوعي، وكل إنسان في كلمته وسلوكه ومعاملاته.
فلنحمد الله على نعمة الأمن والأمان، ولنحافظ عليها قبل أن ندرك قيمتها بعد فوات الأوان. ولندعُ الله أن يحفظ أوطاننا وأوطان المسلمين، وأن يحقن الدماء، ويطفئ نيران الحروب، ويعيد الطمأنينة إلى قلوب الخائفين، ويؤوي المشردين، ويجبر خواطر المكلومين.
اللهم ارزقنا أمنًا لا يعقبه خوف، وسلامًا لا تعكره الفتن، وعيشًا كريمًا تسوده الرحمة والعدل، واحفظ بلادنا وسائر بلاد العالم من الحروب والدمار، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، دعاةً إلى المحبة والسلام.
وخلاصة القول: قد يملك الإنسان المال ولا يملك راحة البال، وقد يسكن القصور ولا يعرف طعم النوم، وقد تحيط به الثروات ويعيش أسير الخوف؛ أما مَن رُزق الأمن والأمان، والعافية والإيمان، فقد نال من أسباب السعادة ما يستحق معه أن يحمد الله في كل صباح ومساء.
فالأمن نعمة، والأمان حياة، والسلام مسؤولية، وشكر النعم طريق إلى دوامها.




0 تعليقات