نظرات .. فى آية .. أو بعض آية بقلم د كامل النحاس 🇪🇬

 

نظرات .. فى آية .. أو بعض آية




بقلم   د كامل النحاس   🇪🇬


5- الشر والخير فتنة


حين يقول الله تعالى في وصف ما مُتِّع به بعض الناس من زينة الدنيا:


﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ 

[طه: 131]


فإن الفتنة هنا لا تعني أن النعمة شر، وإنما تعني أنها اختبار؛ يظهر معه معدن الإنسان، وكيف يتعامل مع ما في يده، وإلى أين تقوده النعمة.


لكن هذا المعنى لا يختص بالعطاء وحده، فالقرآن يقرر قاعدة أوسع:


﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ 

[الأنبياء: 35].


فالخير فتنة، والشر فتنة.


وليس السؤال إذن: 


ماذا أعطاني الله، وماذا منعني؟ 


وإنما: ماذا صنعت بي الحال التي أقامني الله فيها؟


فإذا نزل بالإنسان ما يكره، كانت عبوديته أن يصبر؛ فيحمل الألم دون أن يحمله الألم إلى اليأس أو السخط، ويأخذ بالأسباب دون أن يفقد حسن ظنه بالله.


قال تعالى:


﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ 

[البقرة: 155].


وإذا جاءه ما يحب، كانت عبوديته أن يشكر؛ فيعرف فضل الله، ويحفظ النعمة، ويؤدي حقها، ولا يجعلها ستارًا يحجبه عن صاحبها.


قال تعالى:


﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].


فالصبر والشكر صورتان لعبودية واحدة: 

أن يعرف الإنسان ربه في السراء والضراء، فلا يكون قربه من الله مرهونًا بشكل الحياة الذي يريده.


ولهذا قد يكون العطاء أشد امتحانًا من المنع؛ 

فالمنع يذكّر الإنسان بحاجته، أما العطاء فقد يغريه بأن ينسى هذه الحاجة.


قال تعالى:


﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ 

[العلق: 6-7].


فالخطر ليس في أن تكون النعمة في يد الإنسان، وإنما في أن تستقر في قلبه حتى يرى نفسه بها، وينسى المنعم الذي وهبها.


ومن هنا تصبح قصة يوسف عليه السلام أكثر من مجرد قصة رجل تبدلت أحواله؛ إنها صورة لإنسان مرّ بالمنع والعطاء، بالمحنة والتمكين، حتى اجتمعت له الدنيا بعد أن ذاق منها أشد صور الحرمان.


أُلقي يوسف في الجب، وبيع عبدًا، ودخل السجن، ثم آتاه الله الملك والعلم والقدرة.


تبدلت الأحوال، لكن العبد لم يتبدل عن ربه.


وحين بلغ يوسف ما يراه الناس قمة الوصول، قال:


﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۖ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101].


تأمل ترتيب الدعاء.


ذكر يوسف الملك والعلم، ثم ردّهما إلى واهبهما: ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ثم سأل ما هو أبقى من الملك والعلم: 

أن يتوفاه الله مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين.


وهنا تلتقي قصة يوسف بآية طه لقاءً عميقًا.


في طه، يرى الإنسان زينة الدنيا في يد غيره، فيمد عينيه إليها، فينبّهه القرآن إلى حقيقتها:


﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.


وفي يوسف، نرى رجلًا لم يعد ينظر إلى الزهرة من بعيد؛ لقد صارت الدنيا بين يديه: ملكًا وعلمًا وتمكينًا.


فماذا فعل بها؟


لم يجعلها غايته.


وهنا يظهر معنى:


﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].


فالآية لا تقول إن ما في الدنيا لا قيمة له، وإنما تضعه في موضعه الصحيح: نعمة تُستعمل، لا غاية تُعبد؛ ورزق يُشكر، لا مقياس تُقاس به قيمة الإنسان.


وهذا ما تكشفه خاتمة دعاء يوسف.


بعد الملك والعلم، وبعد أن اجتمعت له أسباب القوة، لم يكن أعظم ما يطلبه المزيد من الدنيا، وإنما سأل الله أن يتوفاه مسلمًا وأن يلحقه بالصالحين.


وليس في قوله:


﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾


طلبٌ للموت، وإنما سؤالٌ من الله أن تكون وفاته على الإسلام؛ وهو دعاء يكشف منزلة حسن الخاتمة في ميزان المؤمن.


وهنا تبلغ النظرة ذروتها.


لقد تغيّرت الأحوال كلها في حياة يوسف: من الجب إلى العبودية، ومن السجن إلى الملك، ومن المحنة إلى التمكين.


لكن الذي ظل هو الأهم لم يكن حاله في الدنيا، وإنما علاقته بالله.


فلم يكن الملك هو الغاية، ولا العلم هو الغاية، ولا التمكين هو الغاية؛ وإنما الغاية أن يبقى العبد على الإسلام حتى يلقى الله.


وهنا نفهم الابتلاء كله على نحو آخر.


ليس المهم أن تأتيك الحياة على الصورة التي تريدها، وإنما أن تعرف كيف تكون لله في الصورة التي جاءت بها.


تصبر حين تضيق، وتشكر حين تتسع، وتتواضع حين تتمكن، وتستقيم حين تقدر، ولا تجعل ما في يدك أكبر من صاحب الفضل عليك.


وقد لخّص النبي ﷺ حال المؤمن في تقلبات الحياة بقوله:


عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له

 رواه مسلم.


فالصبر في البلاء، والشكر في النعمة، ليسا طريقين متباعدين؛ إنهما صورتان لعبودية واحدة: أن يبقى القلب لله في كل حال.


ومن هنا يعود بنا السياق إلى قوله تعالى:


﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].


فالزهرة تذبل، والملك يزول، والمال يتغير، والصحة تتبدل، والمواقع تتعاقب، والدنيا كلها تمضي.


ويبقى السؤال الذي تختصر فيه القصة كلها:


حين تنتهي الأشياء التي كنت تخشى فقدها، والأشياء التي كنت تتمنى امتلاكها، ماذا يبقى منك لله؟


لقد أجاب يوسف قبل أن تنتهي رحلته:


﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ 

[يوسف: 101].


فليس أعظم النجاح أن تبلغ ما تمنيت من الدنيا، وإنما أن تبلغ نهاية الطريق وقلبك على الإسلام.


وليس أعظم ما يُعطاه الإنسان أن تتسع له الدنيا، وإنما أن تتسع الدنيا في يده دون أن تضيق في قلبه مساحة الآخرة.


وليس أخوف ما في الفتنة أن تفقد النعمة، ولا أن تنزل بك المحنة؛ وإنما أن تخرج من إحداهما وقد خسرت قلبك.


لهذا كان دعاء يوسف في قمة التمكين أبلغ من كل حديث عن التمكين:


﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.


كأن يوسف يقول لنا من وراء القرون: قد تتبدل الدنيا كلها من حولك، لكن لا تدعها تغيّر وجهتك.


فالدنيا زهرة، والخير فتنة، والشر فتنة، والرزق عابر، والتمكين امتحان.


أما الغاية التي تستحق أن يشغل بها الإنسان عينه وقلبه وعمره، فهي أن يلقى الله على الإسلام.


تلك هي الغاية التي لا تذبل، والرزق الذي لا يفنى، والنجاح الذي لا يخشى بعده الإنسان فقدًا.


من النص نبدأ.. وبالهداية إلى الحياة نمضي.






إرسال تعليق

0 تعليقات