حين يتكلم إبليس بين الحقيقة والخيال
قراءة نقدية محبة في رواية «الكافر» للروائي العالمى محيي الدين محمود حافظ
بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
حين نقرأ عملًا لكاتب عادي، يمكن أن نكتفي بتتبع ما أصاب فيه وما جانبه الصواب.
لكن حين نقرأ للروائي محيي الدين محمود حافظ، فإننا نكون أمام تجربة تستحق قراءة من نوع آخر.
فهو روائي له حضوره، وصاحب تجربة ممتدة، وحاصل على جوائز دولية، ويعرف كيف يصنع عالمه الروائي ويشد قارئه إليه.
وأنا لا أكتب عن «الكافر» من موقع القارئ البعيد؛ فمحيي الدين صديق قريب جدًا مني،
ولذلك فإن هذه القراءة ليست مجاملة لصديق، ولا محاكمة لعمله، وإنما هي قراءة محبة ترى أن الصداقة الحقيقية لا تمنع الصراحة، بل تجعلها أوجب وأصدق.
وأنا هنا لا أتعامل مع «الكافر» بوصفه كتاب تفسير أو دراسة تاريخية، وإنما أتعامل معه أولًا بوصفه عملًا روائيًا له حق التخييل وإعادة بناء الشخصيات والأحداث وصناعة المفارقة والدهشة.
لكن الرواية هذه المرة اختارت أن تدخل منطقة شديدة الحساسية؛ منطقة يتجاور فيها القرآن، والتراث، والتاريخ، والأسطورة، والموروث الشعبي، والخيال الروائي، ويتولى إبليس نفسه مهمة السرد.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للنقد.
محيي الدين.. الروائي «الساحر»
لطالما وصفت محيي الدين في كتاباتي بأنه «الساحر»، ولا أقصد بذلك إلا سحر الصنعة الروائية.
فهو يعرف كيف يأخذ القارئ من السطر الأول، وكيف يستخدم لغة سهلة لا تفقد جمالها، وكيف ينتقل سريعًا بين الأزمنة والأحداث، وكيف يمسك بالمعلومة فلا يعطيها كلها دفعة واحدة، ثم يجعل النهاية بابًا لبداية جديدة.
وهذه موهبة حقيقية.
لكن الموهبة الكبيرة تفرض على صاحبها مسؤولية أكبر؛ فكلما اتسع العالم الذي تبنيه الرواية، احتاج هذا العالم إلى خيط مركزي أكثر إحكامًا، حتى لا تتحول كثرة الشخصيات والأزمنة والأحداث من ثراء روائي إلى تشتت في عين القارئ.
وهنا تأتي أهمية اختيار إبليس راويًا.
إبليس.. حين يصبح الراوي جزءًا من السؤال
أن تجعل إبليس يتكلم ليس مجرد اختيار جريء، وإنما اختيار يفتح للرواية بابًا فلسفيًا وسرديًا بالغ العمق.
فالقرآن نفسه ينقل لنا من كلامه:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾
[الأعراف: 16-17].
إذن نحن أمام راوٍ ليس محايدًا، بل أمام شخصية لها موقف، ومصلحة، ورؤية، وقدرة على الإغواء.
وهنا أرى أن الرواية تستطيع أن تجعل هذه النقطة نفسها إحدى أقوى أدواتها الفنية:
ليس المهم فقط ماذا يقول إبليس، وإنما هل ينبغي أن نصدقه؟
فالقارئ لا يكون مطالبًا بأن يتلقى رواية إبليس باعتبارها حقيقة مطلقة، وإنما أن يظل في حالة اختبار دائم لما يسمعه منه.
وهنا يتحول السؤال من:
ماذا حدث؟
إلى سؤال أكثر إثارة:
هل إبليس يروي التاريخ... أم يروي التاريخ كما يريد لنا أن نراه؟
وهذه في تقديري واحدة من أهم مفاتيح قراءة «الكافر».
بين الحقيقة والخيال
المشكلة في الرواية ليست في أن تستعين بالقرآن أو كتب التفسير أو التاريخ أو التراث أو الأسطورة؛ فهذا كله يمكن أن يكون مادة روائية مشروعة.
المسألة الأهم هي: كيف تُدار المسافة بين الواقع والخيال؟
فحين يقرأ القارئ مشهدًا له أصل قرآني، ينبغي أن يعرف ما الذي أثبته القرآن، وما الذي جاءت به كتب التفسير والروايات التاريخية،
وما الذي أضافه الخيال الروائي.
وهذا ليس تضييقًا على الرواية، بل على العكس؛ إنه يمنح الخيال حريته من غير أن يحمّله ما ليس له.
خذ مثلًا قصة طالوت.
فالقرآن يقول:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: 247].
هذا هو الثابت في النص: اصطفاء طالوت، واعتراض قومه بسبب المال، وبيان فضله بالعلم والجسم.
أما بعض التفاصيل المتعلقة بنسبه، وأسباب عدم انتمائه إلى بيت الملك، وغيرها من الجزئيات، فهي مما جاء في كتب التفسير والتراث.
والتمييز هنا لا ينتقص من الرواية، وإنما يزيدها قوة؛ لأن القارئ يعرف أين يقف النص، وأين يبدأ الموروث، وأين يتدخل الروائي.
والأمر نفسه في التابوت.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 248].
فالقرآن يثبت التابوت، والسكينة، وما بقي من آل موسى وآل هارون، وحمل الملائكة له، لكنه لا يقدم لنا كل التفاصيل التي نسج حولها الموروث روايات متعددة، كهيئة الصندوق أو مادته أو محتوياته التفصيلية.
ثم تأتي تجربة النهر:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249].
وهنا لا يحتاج الروائي إلى كثير من الإضافات؛ فالمشهد القرآني في ذاته يحمل اختبارًا دراميًا شديد القوة: جيش كبير، عطش، أمر، مخالفة، وقلة تصمد أمام الاختبار.
ثم تأتي المواجهة:
﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾
[البقرة: 251].
أما تفاصيل هيئة جالوت، وصفاته الجسدية، وتفاصيل السلاح والتدريب والعلاقة الدقيقة بين داود وطالوت، فليست كلها مما نص عليه القرآن.
وهنا مرة أخرى يظهر السؤال النقدي نفسه:
أين ينتهي الواقع، وأين يبدأ الخيال؟
من داود إلى سليمان.. مساحة واسعة للدهشة
حين تصل الرواية إلى داود، فإن القرآن نفسه يفتح أمام الخيال مساحة هائلة من العجائب دون حاجة إلى اختراع أصل المعجزة.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾
[سبأ: 10].
وقال:
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سبأ: 11].
فالجبال، والطير، وإلانة الحديد، وصناعة الدروع، كلها لها أصل قرآني.
لكن التفاصيل التقنية الدقيقة التي يمكن أن تبنى حول هذه المعجزات تحتاج إلى أن تبقى في مساحة التفسير أو الرواية أو التخييل، بحسب ما يقدمه النص.
ثم نصل إلى سليمان، وهنا يصبح العالم الروائي أكثر اتساعًا:
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾
[النمل: 16-17].
وقال سبحانه:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: 12].
إن عالم سليمان القرآني وحده عالم روائي مذهل.
لكن هنا تظهر نقطة شديدة الحساسية تتعلق بكرسي سليمان.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34].
الآية تثبت الفتنة، وتثبت إلقاء جسد على الكرسي، ثم إنابة سليمان، لكنها لا تقول إن ذلك الجسد كان إبليس، ولا تقول إن إبليس حكم الكرسي.
فإذا جعلت الرواية إبليس يقول إنه كان ذلك الجسد أو إنه حكم الكرسي، فالأقوى فنيًا ألا يُقدَّم ذلك للقارئ بوصفه تفسيرًا حاسمًا للآية، وإنما بوصفه قول الشخصية داخل العالم الروائي.
وهنا تحديدًا يمكن للرواية أن تستفيد من كون إبليس هو الراوي:
هل ما يقوله حقيقة؟
أم نصف حقيقة؟
أم تأويل يخدم صورته عن نفسه؟
وهذه مساحة روائية ثمينة جدًا.
عاد وإرم.. حين يكبر الموروث أكثر من النص
يقول تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 6-8].
ويقول:
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
[فصلت: 15].
أما شَدَّاد، وتفاصيل البناء، وما ارتبط بإرم من قصص الذهب والجواهر والمدينة الأسطورية، وما نُسب إليها من صلات بحكايات أخرى، فهذه مساحات دخلها الموروث والأسطورة والرواية.
وهنا أيضًا ينبغي أن يبقى القارئ واعيًا للمسافة بين النص القرآني وما أضافته الروايات المتداولة.
والأمر نفسه في أصحاب الأخدود.
قال تعالى:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 4-8].
أما تحديد أعداد دقيقة مثل عدد 3850، فهو ليس من القرآن، وإنما يحتاج إلى نسبته إلى مصدره إن أرادت الرواية أن تقدمه بوصفه خبرًا تاريخيًا.
والقاعدة التي أراها كفيلة بحل كثير من الإشكالات يمكن اختصارها في جملة واحدة:
هذا ما يقوله النص، وهذا ما رُوي، وهذا ما تتخيله الرواية.
إذا بقيت هذه الحدود واضحة، اتسعت مساحة الخيال بدل أن تضيق.
المشكلة ليست في كثرة الشخصيات.. بل في وظيفتها
الرواية تفتح أبوابًا كثيرة: طالوت، جالوت، داود، سليمان، دانيال، شمشون، إدريس، عاد، شداد، أصحاب الأخدود، مانيتون وغيرهم.
والسؤال هنا ليس:
لماذا كل هذه الشخصيات؟
فكثرتها في ذاتها ليست عيبًا.
السؤال الأدق هو:
ماذا تضيف كل شخصية إلى العمود الفقري للرواية؟
إذا كانت الشخصية تكشف جانبًا جديدًا من فكرة إبليس، أو من رؤيته للإنسان والتاريخ، فهي تخدم البناء.
أما إذا تحولت إلى محطة معلوماتية منفصلة، فقد يشعر القارئ بأنه خرج قليلًا من الرواية إلى موسوعة حكايات.
وهذا هو الموضع الذي يحتاج فيه «الساحر» إلى شيء من التمهل.
فالسرعة التي تمنح النص طاقته قد تحتاج أحيانًا إلى استراحة قصيرة؛ جسر صغير بين زمن وزمن، أو جملة تحمل القارئ من شخصية إلى أخرى، أو إشارة مبكرة تجعل الانتقال يبدو نتيجة طبيعية لا قفزة مفاجئة.
المفاجأة التي تبدأ قبل أن تقع
ومن أجمل ما يمكن أن تمنحه الرواية لقارئها أن تجعله يكتشف في النهاية أن ما ظنه مفاجأة لم يكن مفاجئًا أصلًا.
فالخاتمة عند محيي الدين كثيرًا ما تصبح بداية جديدة، وهذه من نقاط قوته.
لكن كلما كثرت النهايات التي تفتح أبوابًا جديدة، احتاجت المفاجآت إلى تمهيد أكثر دقة.
المفاجأة الأقوى ليست التي تقول للقارئ:
انظر ماذا حدث!
بل التي تجعله بعد انكشافها يعود إلى الصفحات السابقة ويقول:
كيف لم أنتبه إلى أن الكاتب كان يمهد لهذا منذ البداية؟
هنا تتحول المفاجأة من حيلة سردية إلى إنجاز روائي.
بافوميت.. حين تتقاطع الأزمنة
وتأتي شخصية بافوميت في نهاية المسار لتفتح بابًا آخر من أبواب الرمزية التاريخية.
والمشكلة ليست في حضورها بوصفها رمزًا أو قناعًا داخل العالم الروائي، وإنما في ضرورة أن يكون الانتقال إليها ممهّدًا بما يكفي، خصوصًا إذا كانت الرواية تجعل إبليس حاضرًا عبر عصور وأشكال رمزية متباعدة.
فكلما اتسعت المسافة الزمنية، احتاج القارئ إلى جسر أوضح.
وإلا فقد يشعر بأن الرمز دخل الرواية فجأة لأنه مثير، لا لأنه كان جزءًا عضويًا من بنائها.
وما أراه يحتاج إلى المراجعة
«الكافر» يمتلك مادة ثرية جدًا، وربما تكمن قوته المقبلة في إحكام ما هو موجود أكثر من إضافة المزيد.
ومن هنا أرى أن المراجعة النهائية يمكن أن تتجه إلى نقاط محددة:
أولًا: زيادة وضوح المسافة بين القرآن، والموروث، والتاريخ، والخيال الروائي.
ثانيًا: وضع جسور سردية قصيرة بين التحولات السريعة في الأزمنة والشخصيات.
ثالثًا: تقليل بعض التكرارات الدلالية، خصوصًا ما يدور حول القوة والسر واليقين والمتاهة وأبناء آدم، حتى لا تفقد المفردات أثرها من كثرة الدوران حول المعنى نفسه.
رابعًا: مراجعة وظيفة كل شخصية، بحيث تكون كثرة الشخصيات ثراءً للبناء لا ازدحامًا فيه.
خامسًا: مراجعة المصطلحات التي تنتمي إلى عصور مختلفة، حتى لا يشعر القارئ بتداخل زمني غير مقصود.
سادسًا: مزيد من العناية في كل ما يتصل بالأنبياء والجن والمعجزات، لأن الرواية هنا تتحرك في منطقة شديدة الحساسية بين المعلوم والمروي والمتخيل.
وسابعًا، وربما هو الأهم فنيًا: استثمار إبليس بوصفه راويًا غير موثوق به إلى أقصى مدى ممكن.
فبدل أن يكون إبليس مجرد شخصية تحكي، يمكن أن يصبح السؤال عن صدق حكايته هو أحد محركات الرواية الأساسية.
في النهاية.. ماذا يريد إبليس أن يقول لنا؟
هذه رواية اختارت منطقة ليست سهلة.
اختارت إبليس راويًا، وأدخلته في التاريخ، ولامست القرآن والتراث والأسطورة، وراوحت بين الحقيقة والتخييل، وفتحت أبوابًا كثيرة في زمن واحد.
وهذا وحده يكفي ليدرك القارئ أن محيي الدين لم يدخل مشروعه الروائي بحثًا عن منطقة آمنة.
لكن قوة المغامرة لا تأتي من اتساع العالم وحده، وإنما من القدرة على السيطرة عليه.
ولهذا فإن السؤال الذي أظن أن «الكافر» يستطيع أن يتركه في ذهن قارئه ليس:
هل ما قاله إبليس صحيح؟
فحسب.
بل السؤال الأعمق:
هل ما قرأته هو الحقيقة... أم الحقيقة كما أراد إبليس أن أراها؟
إذا نجحت الرواية في أن تجعل القارئ يعيش هذا السؤال حتى الصفحة الأخيرة، فقد تحوّل إبليس من مجرد راوٍ إلى أداة فنية تعيد تشكيل علاقة القارئ بالحقيقة نفسها.
وهنا تصبح الرواية أكبر من حكاية عن إبليس.
تصبح سؤالًا عن الإنسان؛ عن ذاكرته، وعن التاريخ حين يُروى، وعن الحقيقة حين تمر عبر عين لها مصلحة في أن تغيّر صورتها.
وأعتقد أن هذا هو المكان الذي يمكن أن تبلغ فيه «الكافر» ذروتها الحقيقية:
ليس بإضافة مزيد من الأسرار، ولا بمضاعفة الشخصيات، ولا بتكثير المفاجآت، وإنما بإحكام الخيط الذي يجمع كل ذلك، حتى يشعر القارئ في النهاية أنه لم يقرأ تاريخًا بديلًا فحسب، وإنما دخل إلى متاهة صنعها راوٍ يعرف أين يخفي الحقيقة، وأين يضع الظل حولها.
ومع كل ما سبق، يبقى أجمل ما في هذه التجربة أنها صادرة عن روائي يعرف كيف يحكي.
وأقولها لمحيي الدين، الصديق القريب، لا مجاملةً وإنما ثقةً في موهبته:
أنت لا تحتاج إلى أن تزيد سحر الرواية؛ أنت تحتاج فقط إلى أن تجعل هذا السحر أكثر إحكامًا.
فحين تجتمع حرية الخيال مع وضوح المصدر، وسرعة السرد مع قوة البناء، وغموض إبليس مع يقظة القارئ، وتبقى المسافة واضحة بين ما قاله القرآن وما صنعه الموروث وما ابتكره الروائي، فإن «الكافر» لا تكون مجرد رواية جريئة، وإنما تجربة روائية تظل في ذاكرة قارئها طويلًا.
فالرواية الكبرى لا تمنحك عالمًا جديدًا فحسب، وإنما تعيدك إلى عالمك القديم، ثم تجعلك تراه بعين جديدة.



0 تعليقات