رواية تلات ورقات بقلم د منال الشربيني مصر 🇪🇬

 رواية تلات ورقات

بقلم د منال الشربيني مصر 🇪🇬




الفصل التاسع والعشرون

كان "يوسف" يجيد الصمت، فلم يعلق كثيرًا على الأحداث التي مرت بالعائلة، ولم يبد رأيه في انفصال أبويه، ولم يبد على ملامحه تعابير تليق بالحدث، حين تلقى نبأ هروب أبيه إلى مصر من أجل امرأة متزوجة، كان ينام حتى يقولون ربما مات، ويسهر حتى يظنون أنه أحد أفراد الجن. 

ولم يدر بخلد فريدة يومًا أن تراه يتابع أخبار " كتائب العصف المأكول"، ويثني عليهم في الاجتماعات العائلية جهرّا، حين تلتم العائلة في البيت الكبير، لم يهتم كثيرًا لكل أخواله الذين حاولوا تغيير مفهومه عن تلك الكتائب، كنت أرى في كثير من الأحيان أنه ينفث عن ألمه حين يمنحهم بعض الوفاء عن بعد، فقد مات صديقا طفولته أثناء زيارتهما لنابلس؛ أوقفتهما دورية للشرطة الاسرائيلية، وقيل فيما بعد، في شريط الأخبار



، أن الضابط لم يعجبه أنفيهما المعقوفين إلى أعلى، فأشار بيده فجاءتهما الرصاصات من الخلف، فتكوما على الأرض ونقلت الصحف صورتهما شابين تحتضن ساق أحدهما اليمنى الذراع اليسرى للآخر، تمامًا على نفس الهيئة التي اعتادت فريدة أن ترى فيها يحي وأكرم أثناء نومهما حين يصطحبها الفجر إلى غرفتهما كي تمنحهما دفء روحها، ورفرفة دعواتها على رأسيهما، وهي تلف حولهما الأغطية.

لم تنم فريدة في تلك الليلة، فقد شغلها كثيرًا أن يضل ولدها وتخطفه الحياة السياسية، فلا طاقة لها بذلك، لكن ملامحه البدوية المختلطة بالجرح الفلسطيني الذي اختزنه في دمه من المكان ومن أصدقاء عمره الذين لم تنجح المسافة في تفريقهم،أنبأتها أن أمرًا جللًا سيجثم على دارهم عما قريب.

 فقد كان يوسف  يقضي الساعات الطوال يتحدث بلهجة بدوية ممزوجة بالفلسطينية. كانت تعلم أنه يعوض الفقد الذي أصاب روح الدار بالخراب بالتحدث باللهجة التي يتكلم بها الطبيب الذي شق عنه بطن فريدة  يومًا كي يشعر بدفء منحه إياه أبوه يومًا قبل أن يفقد عقله بسبب امرأة فلعله يبقى على ملامح الوطن الذي تسلل إلى روحه دون أن يأذن له.

كانت فريدة تدخل غرفة يوسف يوميًا، كالمجنونة؛ لقد علمها قضاء ابنها حوالي 15 ساعة متواصلة أمام شاشة الكمبيوتر استحالة أن يكون هذا العالم افتراضيا. 

لا بد أن أمرً ما يحدث لابنها. كانت تخشى أن ينضم إلى إحدى الجماعات أو التنظيمات التي تملأ أركان الإنترنت، وتمنت لو انها استطاعت الحصول على كلمة السر التي بها يتجول ابنها في هذ العالم حتى ترى  الرسائل الصادرة والواردة. كانت تريد أن تعرف أين يقع ابنها من هذا العالم، وإلى أي جناح ينتمي، لكنها تعود لتلوم نفسها، وتهمس :" ولا تجسسوا". وتمنت لو أن أحدهم اخترع وسيلة ما يمنكها معه من ترجمة لغة الصمت التي اكتنفت عالم ولدها. كانت تقدر حزنه النبيل، حين ترى الغضب في عينيه كلما أتى ذكر فيصل وعمرو صديقيه الشهيدين، ولكم تمنت لو أن أحدهم اخترع آلة ما لتسجيل المونولوجات الداخلية للإنسان، كي تعلم ما هو آت في حياة أسرتها المنكوبة.

لن تجدي الكاميرات نفعًا لإنها تسجل الصوت والحركة ووتخبرنا بالحقيقة بعد حدوث الجرائم. بينما تريد هي تسجيل صمت ابنها، وتترجمه، تريد فك شفرة مونولوجه الداخلي. كانت تقول:

- أرجو أن يجيء اليوم الذي يخترع فيه أحدهم آلة لتسجيل الصمت، وأخرى لرصد العبارات والخطط التي يحيكها العقل في الخفاء. نعم، فالخطط التي تتم في غرفة عمليات العقل أشد خطرًا من كل الخطط التي تم الكشف عنها إلى الآن، ماذا لو استطاعت آلة ما ان تكتشف الخطط التي تدبرها عقول رجال العصابات او الجماعات الإرهابية مثلًا حين تكون قيد الإعداد؟ لن يجدي الأمر شئيًا إن اكتشفوا الصناديق السوداء، وأجهزة التسجيل المختلفة بعد تحطم السفن أو الطائرات.

 ماذا لو أفلح أحدهم في رصد الكلمات التي تحملها ذرات الهواء في غرفة أحد الأزواج الخائنين مثلًا كي تتمكن زوجته من تقديم دليل قاطع على خيانته لها، دون أن يؤجل القاضي جلسةالنطق بوجوب التفريق بينهما للضرر النفسي إلى إشعارٍ آخر. و دون أن تحمل نظراته، ونظرات مجتمع بأسره لها اتهامات باحتمالية التقصير في واجباته، ثم لماذا يفترض القوم أن التقصير دومًا هو سلعة المرأة، التي يروج الرجال لها كلما اشتهت أنفسهم صيدًا جديدًا؟ 

لماذا لا يخترع أحدهم جهازًا يرصد السكون، ويسجله كما يتم تسجيل درجة احتمال حدوث الزلازل، ومن ثم يوفر على الإنسانية كم الجرائم التي لا سبيل لإثباتها لانعدام الأدلة في معظم الأحوال فإن لم يكن ذلك من باب إيقاف الأذى قبل وقوعه، فليكن من باب الوقاية خير من العلاج؟ لماذا لا يخترع أحدهم جهازًا ما يقيس به مدى نصاعة الضمائر، وينذر بمكر النفوس، ويرصد نزعات الظلم والشر، ويحذرنا الخيانة والمؤامرة قبل أن تحدث الكارثة بوقت كاف كي نتدارك الأمور؟ لو فعل أحدهم شيئًا من هذا القبيل لما حيرها أمر ابنها ولانكشف لها من صمته الكثير، ولأراحته من عناء الغياب في اللامكان.

تكفل الليل لها بالتوقف عن التفكير، فقد تسلل إليها النوم ناعما، ولم يوقظها إلا جرس الهاتف آتيا من غرفة أمها، فنهضت لترد، لكنه كان قد سكت.

كان ليوسف طريقة غريبة في إضفاء إرادته على الآخرين، بل كان يجيد تحجيم رغبات الآخرين وفق مايرى، فلقد رأيته مرارًا، وهو يتحدث إلى زملائه حين كانوا يأتون إلى المنزل لتلقي الدروس الخصوصية في الرياضيات. كان دائمًا ما يقترح عليهم اختيارين، فيضعهما في مأزق استحالة وجود اقتراح اختيار ثالث، فحين تأخر أستاذ الرياضيات عن وقته، قال:

- دعونا نقضي الوقت في عمل مفيد، هل تتفرجون علي وأنا أقتل الوحش، أم أشرح لكم كيف تطبقون نظرية فيثاغورث؟، وكنت أجد زملائه، يوافقون دومًا بالحل الذي يوقف عقلهم عن التفكير،  ووجدته وقد اختاروا أن يراقبوه بينما ينهي مراحل اللعبة ويقتل الوحش، وحين يتحدثون عن غلاظة مدير المدرسة ويبدأ كل واحد منهما ينفث عن غيظه منه ويسقط عليه روح الاستهتار، يقول:

- إن مر عام ولم تتم عمليات الصيانة في غرفة المدير، فإنها ستسقط فوق رأسه، فيتحول الموضوع بينهم جميعًا من الغيظ من المدير، إلى مدى تردي حالة السقف في غرفته، وكيف أن الرطوبة أكلت الجدران، و كيف كانت عاملة النظافة تشكو من ازدياد التراب الذي يتكوم بجور أركان عتبات الباب، وانتشار سوس الخشب في المكان.

وحين رسب صديقه في مادة الكيمياء، وجاء يشتكي له صعوبة الأسئلة وضيق الوقت، وأن المراقب  خلق له جوا متوترًا لأنه كان يقطع الغرفة ذهابًا وجيئة فيقطع عليه تفكيره، أجاب يوسف:

- انا لا أرى في ذلك عيبًا، فلو أنك نمت جيدًا، لرأيت الأمور بشكل أفضل، ثم أردف لائمًا إياه:

- كما أنك لا تتوقف عن شرب القهوة،  ولقد قرأت تقريرًا عن المضار التي تلحق بالجهاز العصبي والعضلي إن شرب الفرد أكثر من ثلاثة فناجين، ولقد صنعت لك الخادمة ثلاثة فناجين حتى الآن ولم تنته الساعة بعد، إنها القهوة يا صديقي، وهنا تحول الأمر من الكيمياء إلى باب القهوة، فصل النت. وبعد قليل رأيتهما يطبعون مقالًا عن القهوة- المنافع والمضار، ثم رن جرس الهاتف، كانت أم صديقه تنتظر ابنها كي يذهب معها إلى الطبيب.

حتى في حوارتنا العادية، كان يوسف يحجم تفكيرنا بطريقة ذكية فيضعنا دومًا أمام خيارين أو يضع سيناريو ما ننقاد إليه تلقائيا فإن حدث، اعتبرناالأمر برمته قد نجح، وإن جاءت الأمور بعكسه، فقد الأمر برمته قيمته، لكم كان ماهرًا في ممارسة الهندسة الاجتماعية.

كان يجيد فرض الاقتراحات، فيوقف الجميع عن التفكير إلا ضمن دائرة حددها بنفسه، ووضع الآخرين فيها، بمعنى آخر، كان يجيد تحريك الجهاز اللاإرادي لدى الآخرين بمهارة،فقد كنا جميعا نفعل ما يريده هو، دون أن نشعر نحن.

حتى حين أخبرته زوجته بأنها فقدت خاتم الزواج، وأن لا أثر له في أي مكان ذهبت إليه، وأنها تستغرب كثيرا لضياعه، فهو لا ينخلع من إصبعها بسهولة، استشاط يوسف غضبا ثم رد بلهجة حادة وهو يرفع حاجبه الشمال:

- فتشي في الحقائب جيدًا قبل أن تأتي العربة التي ستقل الأثاث إلى القاهرة،، فأومات برأسها موافقة، فانصب تركيزها على ضرورة عدم التأخر في إعداد كل شيء قبل مجيء عربة الأثاث، لقد حول يوسف المسألة من البحث عن الخاتم، إلى ضرورة إعداد كل شيء قبل أن تأتي العربة، فصارت عروسه تصارع الزمن كي لا تتسبب في أي تأخير، وفي الوقت نفسه قلبت البيت رأسا على عقب فعثرت الخاتم.

أتذكر جيدًا ردوده، حين جاءت ابنة عمه تشكو إليه زوجها؛ خياناته المتكررة لها. أخبرها أنه يخشى  العواقب الوخيمة للطلاق، وراح يعبر عن خوفه من ضياع البيت والأولاد، خاصة وأنها ربة منزل. ليس لها دخل مستقل ثابت. وأن الجميع سيتخلى عنها. وأن المحامين لا يعملون لصالح الموكل بل يجدون في موكليهم مادة جيدة للحصول على معاشات ثابتة، ولربما تواطأ المحاميان على طرفي الخصومة، وأن المرأة المطلقة في الشرق لاتحظى بالشفقة مثلما تحظى الأرملة، وأن أولاد المطلقة يضعهم المجتمع في قفص الاتهام دومًا، فهم إما متسترون على علاقات مشبوهة تقوم بها أمهم، وإما مدلسون ينافقون الأب والأم للحصول على احتياجاتهم، بعكس الأرملة التي يحث الدين والعرف والتقاليد على الانحناء لها، ويحظى أولادها بكل الرعاية والحب، ولا تنخلع عنهم كلمة اليتامى حتى بعد موتهم، فالناس لمَّا تزل تذكرهم فنراهم يقولون:

كان رحمة لله عليه يتيمًا، مات أبوه قبل أن يولد، وماتت أمه قبل بلوغه سن الرشد.أما ساندرا فقد تدخلت بكل قسوة، وراحت  تحثها على طلب الطلاق، فكانت تقول:

- لماذا ترضين برجل يهينك في كل لحظة؟، لماذا تعيشين مع رجل منحك الله حق الخلاص منه ما دام لا يتقيه فيك؟ و...و...و....

 ووسط كل هذا الهجوم الشرس الذي شنته ساندرا على زوج لبنى حول مسألة الطلاق، بات اسم الطلاق بالنسبة للبنى معناه خلاصها، فقد كان لساندرا قوة رهيبة على الشحن. فلما عادت لبنى إلى المنزل، واحتدم النقاش بينها وزوجها حول مسائل عدة، إلى الحد الذي قال معه:

- لو تفوهت بكلمة أخرى فأنت طالق فردت:

- أنت خائن، فوقع الطلاق بالفعل، وسقطت لبنى نفسيًا، فسيولوجيًا، وعصبيًا في فخٍ لا طاقة لها به وانهارت معنوياتها، وفقدت كل قدرة على النهوض بأسرتها مرة أخرى، وحين تحدثت إلى ساندرا لتخبرها، ردت ساندرا بجبروت غريب:

 - لا تعطي المسألة أكبر من حجمها، إن كل ما حدث هو أنك أصبحت  تسكنين الدار مع أولادك دون أبيهم لبعض الوقت، كما لو كان في سفر بعيد، أو كما لو كان يعمل لدى جهة رسمية عليا، ولا يأتي إلا قليلا، فرد  يوسف:

- الطلاق ليس بالمعركة الأخيرة، الطلاق يعني إثبات فروق التوقيت، والتأكيد على ضرورة الإقلاع والهبوط الآمنين في الوقت المناسب، والمحافظة على  سلامة أرواح الركاب، فإن تحققت هذه الضمانات، فلا داع له، فرفعت لبنى رأسها، وأمسكت بهاتفها المحمول، وقالت:

- محمود، تعالى كي تأخذني إلى البيت، لا أحتمل  العيش في أجواء المصحات، أظنني بخير الآن، ولتذهب أنت وعشيقاتك إلى الجحيم، ولا تنس أن تجلب غداء جاهزًا لليوم، فلا وقت لدي للطهي ، فكتب يوسف في مذكراته:

-  "لقد ترقبت لبنى حدوث الطلاق فوقع، فلما وقع، وقعت, أما ساندرا، فقد كان لها قدرة هائلة على الشحن."، ثم رمى النوتة على المنضدةو التفت إلى لبنى وقال منبها:

- حين تتوقعين سقوط الكأس من يدك، تسقطان معًا.


يُتَْبَع...

Daily graph Arabia 

إرسال تعليق

0 تعليقات