مريم والظلّ الذي لم يُرَ
بقلم الأديبة المصرية
هدى أحمد شوكت
كانت مريم زهرةً صغيرة في بستان العمر، لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، لكنها امتلكت قلبًا واسعًا بحجم الحنين. ذات شعرٍ ذهبي كخيوط الشمس، وعيون لامعة كأنها قُطِفت من نجمات الليل. تعلّقت بأبيها تعلّق الفرع بالجذر، تُحصي الساعات منتظرة وقع خطاه على باب البيت، لتتدلّى على صدره كما تتدلّى الكروم على جذعها، تُخبئ وجهها في حضنه وتهمس كأنها تشكو إليه عالماً لا تفهمه.
"ماما زعقتلي، وأخويا قالّي البسي إسدال زي الكبيرة!"
كان والدها يضحك، يمسح على شعرها الناعم، ويقول: "إنتي لسة صغيرة يا مريومة، بس كبرتِ في قلبي."
يوماً بعد يوم، كانت مريم تزداد طلبًا: روج بلون الورد مثل ابنة عمتها، وفستان "ادربس" أنيق تراه في حفلات العائلة. لم يكن الأمر دلالًا خالصًا، بل محاولة فطرية للانتماء، للفت النظر، لأن تكون "مرئية" في بيتٍ يفيض بالصخب والواجبات.
لم يكن والدها يردّ لها طلبًا، يراها ذكية، تقلد كل شيء بإتقان، وتبني عالمًا صغيرًا داخل رأسها الكبير على جسدها الصغير.
لكنّ كل شيء تغيّر عندما وُلدت الطفلة الجديدة "دنيا".
أصبحت الأم مشغولة، الإخوة لا يلتفتون، والبيت يعجّ بزائرين يحيطون بالمولودة بضحكاتهم، بينما مريم كانت تقف في الزاوية، تنظر، تصمت، ثم تضحك... ضحكة خفيفة، تشبه البكاء الذي لم يُسمع.
بدأت تطلب أقل. لم تعد تشتكي كثيرًا. وعندما جاء الأب ذات مساء وفتح ذراعيه، لم تركض إليه كعادتها... بل نظرت إليه وابتسمت.
قال: "مريومة! مالك؟"
قالت: "بابا... أنا دلوقتي مش لوحدي، عندي دنيا."
ظن أنها سعيدة، لكنها كانت تتعلم الصمت... للمرة الأولى.
ذات ليلة، استيقظ الأب على صوت همساتها في غرفتها، كانت تحكي لصورتها في المرآة:
"أنا حلوة زي دنيا؟ طب أنا كبرت خلاص؟ حد بيحبني؟"
هنا فهم الأب الحقيقة. لم تكن مريم مدللة... كانت وحيدة. لم تكن تقلد فقط... كانت تبحث عن مكان، عن دور، عن عينٍ تراها لا تقيّمها، بل تحتويها.
في اليوم التالي، حملها إلى السوق واشترى لها صندوق ألوان، ومرآة صغيرة، ودفترًا، وفستانًا جديدًا.
قال لها: "مريومة، إنتي مش مجرد أخت كبيرة، إنتي الحكاية كلها. اكتبي، ارسمي، قولي اللي في قلبك، مش لازم تقلدي حد، كوني إنتِ."
فهمت مريم أخيرًا... أن الحب لا يُنتزع، بل يُروى.
كبرت مريم، لكنها لم تنسَ.
وبين الحين والآخر، كانت تطل من شباك طفولتها وتقول:
"كنت فقط أحتاج أن يُقال لي: أنا أراكِ، حتى وإن لم أتكلم."


0 تعليقات