سيناء فى عيون التاريخ والامم كتب سامح شبل

 

سيناء فى عيون التاريخ والامم

سينما نهاية العالم





كتب  سامح شبل  

اختفى اكثر مما ظهر من حذائه في الرمال مع خطوته التى تبدو واثقة ثابتة على الرغم من ان الحذاء لا يناسب اهل هذه المنطقة الرملية الصحراوية من البدو، هذه البقعة نقطة من نقط مراكز الكون، هنا تلتقي اسيا بافريقيا ويطلان سويا على اوروبا وهنا  المدخل الى استراليا ومن هنا تعبر الامريكتين، هنا حيث يخطو خطوته يلتقي التاريخ والعالم.


ظهر بوجهه الغربي يوجه بعض الفنيين لوضع اللمسات الاخيرة قبل عرض الفيلم السينمائي الاول والاخير من نوعه على الاطلاق، وضع هذا الثري لمسته الاخيرة على جهاز (الكرونوفايزور) الذي يعرض احداث تاريخية مرتبطة بالمكان في شكل فيلم سينمائي واقعى حي، حيث يمكنك ان تعيش التاريخ حيا، جلس في مقعده وبدأ العرض.


منذ مائة الف عام في الروافع وابو عقيلة والعريش والحسنة وجوه مصرية تتصبب عرقا تصنع مجتمعا حضاريا فى العصر الباليوليتى، تلك الحضارة التى جعلته ينغمس فى الصورة حتى انه استشعر رائحة طمي نهر النيل، بل استشعر صلابة الصخور الاركية التى تاسست منها الارض ذاتها.


بيا اوبيا "ارض المناجم والفيروز"، ارابيا بيترا "العربية الصخرية"، سيناء "بلاد القمر.


اول ابجدية فى التاريخ الابجدية السينائية (البروتوسيناتيك) ووقعها منطوقة على اذنيه زاد من ضربات قلبه، انها المرة الاولى التي يستمع فيها انسان الابجدية السينائية مسموعة حية، كان دائما فى الخلفية مزيج من صوت الطبيعة الساحرة وصليل السيوف كموسيقى تصويرية طبيعية لاحداث حية.


امسكت يد قوية مصرية اداة النحت فى الصخر واخذ يدون سطورا خالدة كتبت عام 3000 ق.م وعلى الشاشة تصدر الملك (نارمر) موحد البلاد المشهد.


تبدل المشهد الى خيول حربية وعلى صليل السيوف وصهيل الخيول فى الخلفية والملك القائد (سمرخت) يقود حملة "وادى المغارة" ضد البدو الرحل، الملك القائد سابع ملوك الاسرة الاولى وصاحب اقدم اثر فى بلاد القمر.


هنا هبت عاصفة قوية ادت الى انقطاع العرض مما اغضبه كثيرا، قام بنفسه يتفحص العطل حتى انتهى الفنى من اصلاحه، عاد الى مقعده يتابع العرض فى شغف وحماس مفرط، لم يكن يعلم أنه على وشك انقطاع انفاسه وتصلب جسده ما ان يرى ما هو قادم، اذ ليس هينا على انسان ان يعيش لحظات حية لتجلي الاله الوحيد على بقعة من بقاع الارض، كاد ان يتوقف قلبه عندما تم رفع الطور فوق راسه حيث انه جزءا من العرض في ملابس معاصرة فقط، ليس سهلا ان يعيش لحظات كتابة الالواح وان يري ويعيش بنفسه لحظات صناعة العجل وعبادته وسنوات تيه طويلة شعر فيها انه قد انقضى عمره بالفعل، شعر فيها بالعطش وارتوى من عيون موسي الاثنى عشر.


على الرغم من صعوبة تنفسه من فرط انفعالاته الا انه لم ينس ان يدون في تقريره الاماكن المحددة لاثار قديمة مفقودة تحتضن علوما وكنوزا قادرة على اعادة التاريخ وصناعة مستقبل يفوق كل حدود، فلطالما كانت مصر تاج على راس العالم.


انتقل (هارون) الى الرفيق الاعلى ودفن في "جبل هود" وتبعه (موسى) ودفن فى كثبان رملية حمراء غير معلوم مكانها حتى الان.


فى هذا المشهد يدخل (عيسى بن مريم) الكادر بطلا للمشهد، عاش مع المسيح والعائلة المقدسة رحلتهم فى وديان ارض الفيروز وبين جبالها، مر الزمن واحتضنت سيناء المسيحية حتى انه قد تم تأسيس فكر الرهبنة وتم تصديره للعالم من ارض سيناء، عاشها في بناء دير سانت كاثرين وفي وادي فيران وجبل موسي.


سرعان ما انتقل المشهد الى استعراض لجمال سيناء الساحر، رقصة منفردة متفردة لارض القمر حيث يجلس هناك على ضفاف نهر النيل ذلك المصري الاسمر يعزف لها على قيثارته.


جاء صوت عميق فى المشهد يرتل ايات قرانية: 


(والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين)، (وشجرة من طور سيناء تنبت بالدهن وصنع للاكلين)، (فلما اتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين)، (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين)، (فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى).


سرت قشعريرة في جسده وغمرته حالة من الراحة والسلام النفسي عند سماع الايات على الرغم من كونه غير مسلم وسرعان ما امتلئ المشهد بقلاع صلاح الدين الايوبي في جزيرة فرعون (طابا) ووادي البروك وجبل الزرافة.


تبدل المشهد ليجد نفسه وسط مجموعة استكشافية بين الوديان، تصبب معهم عرقا وارهقه صعوبة التنقيب حتى ظهر (فلندرز بيتري) 1905م وهو يمسك باثنى عشر نقشا قديما قدم التاريخ باللغة السينائية تحمل رسالة خالدة على الرغم من مرور كل العصور التى انقضت، انا المصري صاحب الارض، نحن المصريون اسياد الارض.


احس بسعة المكان وتوافر سبل الراحة ولكنه تعجب الزحام الملئ برجال يناقشون امرا هاما، المكان (بازل) في سويسرا يتصدر (هرتزل) المشهد في خطبة حماسية فصيحة، الحدث المؤتمر الصهيوني الاول، الزمن 1897م، العنوان احتلال ارض سيناء المباركة وصناعة وطن لليهود.


فوتو مونتاج (لقطات متتالية سريعة) لاعوام محددة (1956م – 1967م – 1973م)،


كلها لقطات تحمل الكثير من البطولات المصرية صنعتها الدماء الحرة، ارض القمر احتضنت المصري القديم ومنحته كل شئ، والان يرويها المصري الحديث من دمه وفكره ونبضه وروحه حتى تظل تنعم بالحياة، حتى تظل ارض القمر ترقص على انغام قيثارة يعبر صوتها المسافات والصحراء من على ضفاف نهر النيل.


قفزة الى العام 2009م استطلاع اجراه المعهد الاسرائيلي للديموقراطية (على حد زعمهم في وصف فلسطين وطن لهم) ، حركة وحماس داخل المكاتب فى المعهد لفرز اصوات الاستفتاء بمناسبة مرور ثلاثين عام على اتفاقية السلام مع مصر، الاستفتاء يهدف الى حصر النسبة المؤيدة لاعادة احتلال سيناء من سكان الكيان المحتل، وجاءت لحظة اعلان النتيجة بواقع (89%) من اليهود يؤيديون اعادة احتلال سيناء بالطرق السلمية او غير السلمية.


سمع صوت انفجار مكتوم من جهاز (الكرونوفايزور) وتصاعد دخان منه معلنا عن عدم قدرته على تحمل احداث اكثر دارت على هذه الارض.


انتقل الي خيمته وجلس على كرسيه امام مكتبه وامسك بورقة وقلم وبدأ فى كتابة تقريره:


سيناء شاهد صامت على التاريخ، تنقسم الى شمال ووسط وجنوب، تقع شمال شرقي مصر وهي المدخل الانسب لدخول مصر، تلك الحقيقة التي ادركها الاسكندر الاكبر قديما،


في باطنها ورمالها وجبالها وصخورها كنوز طبيعبة تعيد مفهوم قيادة العالم، هي ارض لكل الاديان على حد سواء على مدار التاريخ.


مساحتها 61000 كم مربع، طولا من البحر المتوسط حتى التقاء خليج السويس بخليج العقبة 195 كم مربع، اقصى عرض من رفح المصرية وحتى شرق بورسعيد 400 كم مربع.


شمال سيناء منطقة سهلية مليئة بالكثبان الرملية التى تتحرك مع الريح، اهم مظهر فى الشمال وادي العريش العظيم (نهر مصر الثاني).


فى الوسط منطقة هضبية (هضبة التيه، هضبة العجمة) وهما من الحجر الجيري، اما فى الجنوب فهى منظقة جبال (بلاد الطور قديما) من الحجر الجرانيتي الخرساني اساس تأسيس الكتلة الصخرية التي تأسست منها الارض ذاتها.


وهنا قاطعه مساعده ليخبره انه موعد الرحلة الترفيهية الاخيرة قبل العودة لوطنهم والتي تتضمن المحميات الطبيعية وعلى راسها محمية راس محمد ومحمية سانت كاثرين.


وضع القلم وانصرف، الا انه بعد ان غادر بسنوات، الان يضرب البرق تلك البقعة من الارض لتضئ مرة اخرى شاشة سينما نهاية العالم، حيث عرضت ما لم يشاهده القادم من بعيد، المشهد عبارة عن ابادة جماعية لشعب فلسطين الشقيق فى محاولة مستميتة من الكيان لتهجير الاخوة الفلسطينين الى سيناء، لكن ما لم تعرضه الشاشة فى المشهد لكونه امر طبيعي مسلم به على مدار التاريخ ان المصريين اصحاب واسياد الارض.


Daily graph Arabia 







إرسال تعليق

0 تعليقات