المحبة الصادقة سر الاتباع وعلامة المغفرة
بقلم العقيد محمود سويدان 🇪🇬
إنَّ محبة الله تعالى هي أسمى الغايات وأجلّ الأماني التي يسعى إليها قلب كل مؤمن. ولكن هذه المحبة ليست مجرد دعوى باللسان أو شعور عابر، بل هي حقيقة لها معيارها الإلهي الذي لا يضل ولا يزيغ. هذا المعيار حددته الآية الكريمة من سورة آل عمران التي تعتبر آية المحبة الكبرى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).
الاتباع: الدليل العملي على المحبة
لقد وضع الله تعالى في هذه الآية شرطاً ونتيجة؛ فالشرط هو اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والنتيجة هي محبة الله للعبد وغفران ذنوبه. الخطاب الإلهي هنا واضح ومباشر: إذا ادَّعيتَ محبة الخالق، فبرهن على صدق دعواك بالالتزام التام بنهج رسوله وسنته.
فالاتباع يعني الاقتداء به في أقواله وأفعاله، والتزام هديه في العبادات والمعاملات والأخلاق. فليس محباً لله من يزعم الحب ويخالف سنة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في الحديث الشريف ما يؤكد هذا المعنى ويجعله ركناً في الإيمان، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤمِنُ أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليهِ مِن ولدِهِ ووالدِهِ والنَّاسِ أجمعينَ" (متفق عليه). فالمحبة هنا تعني تقديم أمره ونهيه على كل ما سواه.
الثمرة العظمى: محبة الله والمغفرة
عندما يتحقق شرط الاتباع الصادق، فإن العبد ينال الثمرة التي لا تُقارن: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
1. محبة الله للعبد: هذا هو الفوز الأعظم؛ أن ينتقل العبد من محبٍّ إلى محبوب من خالقه. وإذا أحب الله عبداً، وفقه وسدده وأعلى شأنه. وفي الحديث القدسي الشريف الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا أحببتُهُ: كنتُ سمْعَهُ الذي يسمعُ بهِ، وبصرَهُ الذي يُبصِرُ بهِ، ويدَهُ التي يبطِشُ بها، ورِجلَهُ التي يمشي بها" (صحيح البخاري). وهي دلالة على تسديد الحواس والجوارح لطاعته.
2. غفران الذنوب: الاتباع ليس فقط سبباً للمحبة، بل هو سبب لغفران الزلات والخطايا. فمن سار على نهج النبوة بصدق وإخلاص، كافأه الله بتطهير صحيفته من الذنوب، ذلك لأن ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
إن هذه الآية تدعونا إلى وقفة صادقة مع النفس: هل نحن فعلاً من أهل الاتباع أم من أهل الادعاء؟ فلنجعل حياتنا صورة عملية لنهج النبي صلى الله عليه وسلم، لندخل في دائرة المحبوبين والمغفور لهم.
والله أعلم
الفقير إلي الله محمود سويدان

0 تعليقات