ماجده عبد العزيز و دراسة نقدية أدبية لنص السوار للروائي العالمي محي الدين محمود حافظ

 

دراسة نقدية أدبية لنص السوار للروائي محي الدين محمود حافظ

الحاصلة على أفضل قصة قصيرة في العالم بالمسابقة الدولية بنادي الأدب بنيويورك

Reals Book USA 2024




بقلم / ماجده عبد العزيز 


يستهل كاتبنا روايته السوار في أروقة مستشفى الملك فهد بالسعودية 


حيث يعيش البطل في غيابات غربته حيث تعد الرواية نموذجا بديعا لجماليات التكثيف يتمتع النص فيها باسلوب درامي تراجيدي ملحمي يختزل رحلة عمر كاملة في مشهد احتضار أوحد و أخير 


السوار اختيار العنوان و محور القصة هو اختيار ذكي للغاية حيث أن السوار ليس مجرد وسيلة زينة بل هو مقياس وجودي يقيس تحولات البطلة ليل 


جرى الطبيب بسرعة بعد استدعاء لمتابعة الحالة المرضية الحرجة وصل سريعا وتابع بسرعة و حرفية مطلقة الأجهزة المتصلة بها فجأة تصلبت شرايين و عقل الطبيب المصري لوهلة 


استخدم كاتبنا الحواس ببراعة لتعميق الحالة الدرامية  البصر  تصلبت الشرايين و عقل الطبيب، نظرت لي و ابتسمت و هنا استعارة مكنية حيث صور الصدفة كجلطة معنوية تشل التفكير مما خلق توترا تراجيديا عاليا  


كانت الصدمة أشد من أن يتحملها قلبه نعم الحالة لحبيبته التي عشقها من  ثلاثين عاما من طرف واحد 


تلك الحبيبة التي هام في حبها حتى نسي سنوات عمره التي ضاعت دونها هباءا منثورا فداءا لهذا الحب السرمدي 


ذلك العشق الذي تمكن من قلبه و استوطنه حتى استولى على عقله و كيانه تماما فلم يعد يرى شيئا و لا أحدا غيرها صار حبه لها كالهواء الذي يتنفسه فلا يجد من تضمد جراحه دونها 


انتبه و تابع عمله لانقاذها فهي عشقه و هيامه الذي لطالما تمناه فكيف يتركه الآن ليهرب منه 


لم تستطع الاصابع الاستجابة لاشارات المخ، انها النهاية لا محالة 


و لكن مهلا تحركت عينها و نظرت لي و ابتسمت ثم نظرت للسوار الساكن بيدها اليسرى، و تكلمت همسا لي اجمل من رأت عيني ليل 


استخدم الكاتب الحواس ببراعة لتعميق الحالة التراجيديه حيث حركة اليد اليسرى المتكررة جهة القلب 


و نقل السوار هذا التركيز الحسي يجعل القارئ شريكا في الغرفة الضيقة داخل المستشفى ليحول ليل من مجرد شخصية ورقية الى كائن من لحم و دم  و نبض يتوقف 


السوار كقيد و قدر 


ليل الاسم الذي نالت وصفه باستفاضة حين كانت مطمع الجميع 


 اسم ليل ليس عشوائيا بل هو اختيار ذو دلالة قدرية تخدم وحدة الموضوع لتعكس سواد الشعر و جمال الفرس و هو ذلك الجمال الأخاذ الذي يأسر الناظرين  لكنه يحمل في طياته نهاية قدرية حيث كان وصفا فالليل مستودع الاسرار ونهايته محتومه ببذوغ الفجر و ليل حملت سر حبيبها ثلاثون عاما 


رحلة ليل مع السوار 


سوارها الاول الفضي كانت تضرب به الهواء مرحا اهداه لها شاب عشقها  و هذا السوار انما هو رمز لبراءتها و  بدايتها العفوية 


سوارها الثاني من الجلد مزين بحلية و وردة حمراء انما هو رمز لعنفوان الشباب و التمرد و السوار الذهبي انما هو رمز للنضج الأنثوي 


لاعبت به النسمات طربا  تمايلت بخيلاء عاشقة لجمالها. كناية


و استبدلت ذلك السوار بسوار ماسي جديد رجل جديد عاشق لسحر جمالها و ذلك السوار إنما يرمز للمرحلة المادية حيث فقدت البهجة و أصبح الجمال لمن يدفع 


وذلك انما يعكس  تآكل الروح الإنسانية أمام تصاعد المادة 


 التداخل بين الاجناس الادبية الحوار الموجز الذي يزيد الحبكة للقصة  احكاما و الأحداث تشويقا، الحكي الجميل وبساطة المفردات السهل الممتنع والومضة الكاشفة في النهاية


و هنا تحمل القصة نقدا مبطنا للمادية التي تغلف الجمال حيث كانت ليل مطمعا للجميع  فكم من جمال كان سببا في تعاسة صاحبته بل كان سببا في اطماع الطامعين واستغلالهم 


اذ لا يرى أحد وراء ملامحها الجميلة روح  تئن أو عقلا يطمح بل حبسوها في سجن جمالها و جعلوا من فتنتها سببا في تعاستها و شقائها حتى اذا ما نالت منها الأيام و ذبل ذلك الجمال الذي تهافتوا عليه انفض الجميع و تركوا تلك الرقيقة تصارع خريفها وحدها لا يواسيها الا صدى ذكريات مريرة فلم تعد تعي ما تحيكه لها الحياة 


و نظرت ليل و ابتسمت 


أعرفك يا طبيبي و لكن تلك رحلتي و قدري و أنظر و لا تنسى السوار الأخير و سكتت ليل و بصرت يده اليمنى اليسرى 


في النهاية اسلمت الروح الى ركن قصي من النسيان ماتت  غريبة بين قلوب لم تعرف يوما كيف تحب الجوهر لا المظهر لتنتهي مأساة من كانت يوما ملكة القلوب  و كأن جمالها كان دينا ثقيلا لم تستطع دفعه الا بحياتها 


تتجلى عبقرية الكاتب بالنهاية حيث يأتي السوار البلاستيكي الابيض  لتتحول الاداة من زينة للحياة   الى وثيقة للموت

 ( اعتمد على الطباق في اظهار المفارقة بين سوار الماس الحياة،و السوار البلاستيك الرخيص الموت)  


تتحول الاداة من زينة للحياة الى وثيقة للموت


الطبيب الذي عشقها بصمت لسنوات هو نفسه من ألبسها سوار الوفاة هذه المفارقة القدرية تمنح القصة عمقا تراجيديا تثير أحزان القاريء 


فالحب الذي لم يكتمل بالذهب اكتمل بقطعة من البلاستك


القصة اعتمدت تقنية الاسترحاع السريع فكاتبنا قدم شريط للذكريات في لحظة الاحتضار 


أعرفك يا طبيبي

( انشاء غرضه التعجب و جذب  الانتباه) 


السوار هو لوحة فنية مرسومة بكلمات مقتصدة نجح فيها الكاتب من توثيق اللحظة الانسانية الهاربة بين الموت و الحياة مستخدما السوار كخيط حريري يربط بين مصائر أبطاله ببراعة و اقتدار 


 ليلملم أوزوريس في النهاية رفاة إيزيس و تتبدل الأدوار 


كاتبنا الرائع المتفرد دام ابداعك و تميزك.





إرسال تعليق

0 تعليقات