الروائية إيمان عوض و رؤية تحليلية في قصة الكاتب المبدع محي الدين محمود حافظ السوار
بقلم إيمان عوض احمد
يأخذنا الكاتب المبدع محي الدين محمود حافظ بين أروقة مستشفى بارد في بلاد الغربة، وتحت أضواء البث المباشر لعدسات القدر، في ردهات نص يقرأ بالروح التي مسها صدفة أعدها القدر ، في حبكه دراميه تستدعي طرح تساؤلات لماذا الآن؟ ولماذا هذا الطبيب تحديداً؟
لتجيب السطور أنها سخرية القدر
يشير النص إلى أن القدر أراد أن يغلق الدائرة
الطبيب الذي عاش ثلاثين عاماً على قصة حب ليل، كان هو الشخص الوحيد المؤهل ليشهد حقيقتها الأخيرة
في غموض يكمن في أن الموت الذي أخذ ليل ليس غريماً للطبيب انه ذلك الساحر و العراف الذي أتاح له أخيراً أن يلمس يدها ومنحه فرصه أن يلبسها هو الآخر سوارها كما تمنى و لكنه كان سوارها الاخير
لقد أصاب الكاتب في اختيار اسم ليل الذي يحمل الكثير فهو رمز للجمال الساحر والشعر الأسود، ولكنه أيضاً يحمل في طياته رمزية النهاية والعتمة والقبر ، اختيار ذكي كأنه يرمز لثقب أسود ابتلع أحلام الطبيب وطموح ليل
أما عن رمزية همسها له...
أعرفك يا طبيبي.. ولكن تلك رحلتي وقدري.. عندما حكت له عن الأساور، فكانه اعترافاً يغلفه الغموض الذي احاط علاقتها به ليجعلنا نتساءل هل كانت تعرف بحبه طوال الثلاثين عاماً؟
ابتسامتها الأخيرة وقولها أعرفك يا طبيبي توحي بأنها كانت تراه من خلف أساورها الماسية، لكنها اختارت أن تسلك عتمة الليل الذي لا يشرق عليه الضوء إلا في لحظة المغيب
أما السوار في النص فهو البطل الخفي، وهو أداة القمع والتحول و القيد
السوار رمز لدائرة الحياه وهو جوهر العبث في القصة
فنحن نركض داخل دائرة مفرغه تمثل السوار و القيد الذي يلتف حول معاصمنا و اليد التي هي أداة الفعل والكسب
و كلما انقضت مرحلة عمرية، ضاق السوار أو تغير معدنه، لكنه يظل يطوق المعصم، مما يوحي بأن الإنسان سجين اختياراته.
غيرت ليل معدن القيد (فضة، ذهب، ماس) و ظنت أنها تتحرر، بينما هو في الحقيقة احكام لإغلاق الدائرة حول عمرها باختيارتها الماديه البخسه.
كما أن السوار هو إكليل يعكس سعيها في الحياه و عملها و اخلاقها
فكانت كل مرحلة تتوج يدها بما اقترفته
اولها ..إكليل الفضة رمز البراءة كان يحمل قيمة عاطفية تتويجاً لمشاعر بكر لم تتلوث بالمادة.
ثم مرحلة ...إكليل الذهب رمز الزهو تتويجاً لسطوة الجمال والشباب
وتلتها مرحلة أوج الوصول.. إكليل الماس رمز الثمن كان تتويجاً لمرحلة السلعية ،حيث اختارت ليل ان يكون جمالها سلعة تطرح في مزاد علني للأعلى سعرا
و في النهاية سقطت كل القيم المادية أمام البلاستيك الأبيض
وهنا تتضح مأساة اختيارهاالذي حدد إكليلها بسعيها في رحلتها فقد اختارت الأقل لقيمتها الإنسانية بان نزلت بها لميزان مادي القيمة
ليتحول من أثمن العناصر إلى أرخصها البلاستيك
كل مرحلة عمرية كانت مقيدة بسوار يعبر عن سلطة معينة سلطة الحب الأول، سلطة المال، وأخيراً سلطة الموت
كأن النص يقول إن الإنسان يسعى، والقدر يضع السوار الأخير
وان كل جمال فاني، وكل مادة إلى زوال
و هذه هي سخرية القدر من كل صراعاتنا المادية فالبلاستيك الابيض يمثل لون الموت البارد حيث تمحى كل الألوان والبريق ليبقى النص الجاف..
الاسم، السن، وقت الوفاة
لينتهي بنا إلى سرد رحلة أنثى تاهت بين بريق الأساور المادية، لتجد سوار الحقيقة الأخير في قبضة طبيب أحبها بصمت لثلاثين عاماً ولم يملك لها سوى تدوين لحظة الرحيل
فليل لبست أساورها باختيارها، لكنها في النهاية استسلمت للسوار الذي يفرضه الموت على الجميع، لتتساوى الأثمان ويصبح الماس والبلاستيك سيان أمام جلال الرحيل
اما الطبيب.. فكان الشاهد على إغلاق الحلقة
فهو المؤرخ الذي راقب الدائرة وهي تغلق
على يد حبيبته التي عشقها من ٣٠ عاماً.. حب لم يرى الشمس.. مشاعر عاشق مهزوم أمام الزمن والقدر ،صدمته رؤية فينوس رمز الجمال و الحب بعد ان تجردت من سوارها الماسي ليلبسها سوار الموت ..
ألبستها بنفسي.. سواراً بلاستيكياً أبيض كتب عليه ..وقت الوفاة
هذه الجمله توحي أن السوار الذي وضعه بيده بعد انتهاء العد التنازلي للساعة الرملية التي تحسب وقت الرحلة ليبدأ وقت الحساب في مفارقة يسخر فيها القدر منه هو أيضا
لقد منحه ذلك الساحر فرصة تحقيق حلمه أن يلبس حبيبته سوارها كما كان يتمنى و يلامس جسدها ..ولكن السوار كان سوار الموت و لمسته لها كانت بيد الطبيب و مشرطته التشريحي
فبدل أن يبقى سوار حبهما في يدها بقى السوار البلاستيكي ليختصر حبيبته في بيانات جافة على معصم بارد
وتكريم للحب الصامت الذي بقي وفياً حتى النهاية، وصدمة واقعية تذكرنا بأن السوار الأخير ينتظر الجميع، مهما لمعت الأساور التي سبقتة فاحسنوا اختيار السوار





0 تعليقات