الهزيمة بقلم خالد البنا النكسة 1967

 

الـهـزيمة




بقلم خالد البنا 


في ذكرى الخامس من يونيو 1967، لا يكفي أن نلعن الهزيمة أو نبكيها، بل يجب أن نفهمها. فالأمم التي تتعلم من هزائمها تستطيع أن تحولها إلى نقطة انطلاق،


 أما الأمم التي تكتفي بالشعارات فإنها تكرر أخطاءها جيلاً بعد جيل.


كانت هزيمة يونيو من أخطر الأحداث في التاريخ العربي الحديث، ليس فقط بسبب خسارة سيناء، بل لأنها كشفت عن أزمة أعمق في بنية الدولة والمجتمع والسياسة والإدارة. ومن المفيد أن ننظر إليها بعين الباحث لا بعين الخصم أو المريد،  


 


لماذا هُزمت مصر في يونيو 1967


أولاًغياب المؤسسات وسيطرة الفرد


أحد أهم دروس الهزيمة أن الدولة الحديثة لا تُدار بإرادة فرد مهما بلغت قدراته.


ففي تلك الفترة تركزت السلطة بدرجة كبيرة حول جمال عبد الناصر، وأصبحت القرارات الكبرى مرتبطة بدائرة ضيقة من الأشخاص. وعندما تتركز السلطة في يد قلة، تقل قدرة المؤسسات على مراجعة الأخطاء أو تصحيحها.


كانت الدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية تستطيع أن تقول لاعندما يكون القرار خاطئاً، وأن تقدم معلومات دقيقة لا ما يرضي القيادة.


ثانياً تضخم الإعلام وانفصاله عن الواقع


قبل الحرب بسنوات كان الإعلام العربي يتحدث عن القوة الساحقة والانتصار المؤكد.


وكان المواطن العربي يسمع يومياً عن التفوق المطلق، بينما كانت الحقائق العسكرية على الأرض مختلفة كثيراً.


الهزيمة كشفت خطورة أن يتحول الإعلام إلى أداة للدعاية بدلاً من أن يكون وسيلة لنقل الحقيقة.


فالأمة التي تخدع نفسها لا تستطيع مواجهة خصومها.


ثالثاًأخطاء القيادة العسكرية


يعد كثير من المؤرخين أن سوء الإدارة العسكرية كان عاملاً أساسياً في الكارثة.


فقد كانت القوات المصرية منتشرة في جبهة واسعة، بينما عانت القيادة من مشكلات في التنسيق والسيطرة.


كما أن سلاح الجو المصري تعرض لضربة مفاجئة في الساعات الأولى للحرب، مما أفقد الجيش أهم عناصر القوة والدفاع.


لقد أثبتت الحرب أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأن الإدارة والكفاءة والتخطيط قد تكون أهم من عدد الجنود والسلاح.


رابعاً الانشغال بمعارك خارجية


قبل حرب 1967 كانت مصر منخرطة في الحرب الأهلية في اليمن.


وقد استنزفت هذه الحرب جزءاً مهماً من القدرات العسكرية والاقتصادية.


وعندما جاءت المواجهة مع إسرائيل كانت الدولة تتحمل أعباء متعددة في وقت واحد.


وهذا درس استراتيجي مهم


 لا ينبغي للدولة أن تفتح جبهات كثيرة تفوق قدرتها على التحمل.


خامساً ضعف تداول المعلومات الحقيقية


في الأنظمة المغلقة يخشى كثير من المسؤولين نقل الأخبار السيئة إلى القيادات العليا.


فتبدأ التقارير المتفائلة في الصعود، بينما تختفي الحقائق المزعجة.


وعندما تأتي لحظة الاختبار تكتشف القيادة أن الصورة التي كانت تراها ليست هي الواقع.


الهزيمة كانت مثالاً واضحاً على خطورة غياب النقد والمراجعة.


سادساً الفجوة بين السياسة والاقتصاد


كانت مصر تخوض مشروعاً سياسياً ضخماً وطموحاً، لكن الموارد الاقتصادية لم تكن دائماً قادرة على تحمل جميع الأعباء.


فالقوة العسكرية الحقيقية تحتاج إلى اقتصاد قوي وإنتاج متطور وتعليم جيد وإدارة فعالة.


والسياسة التي تسبق الاقتصاد كثيراً قد تضع الدولة أمام تحديات أكبر من إمكاناتها.


ماذا تعلمت مصر من الهزيمة


المفارقة أن بعض أهم إنجازات مصر جاءت بعد النكسة.


1.إعادة بناء الجيش


بعد 1967 بدأ مشروع ضخم لإعادة بناء القوات المسلحة على أسس أكثر احترافاً.


وجاءت حرب الاستنزاف لتكون مدرسة قتال حقيقية أعادت الثقة إلى الجيش.


ثم تحقق الإنجاز الأكبر في حرب أكتوبر 1973 عندما تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف.


2.أهمية العلم والتخطيط


أثبتت التجربة أن الحروب لا تُكسب بالخطب، وإنما بالعلم والتنظيم والدراسة الدقيقة.


ولهذا أصبح التخطيط العلمي جزءاً أساسياً من بناء القوة العسكرية الحديثة.


3.قيمة المؤسسات


أكدت النكسة أن المؤسسات أقوى من الأفراد.


فالرئيس قد يرحل، والوزير قد يتغير، لكن المؤسسة القوية تبقى قادرة على أداء دورها.


أهمية النقد


4.الهزيمة علمت المصريين أن النقد ليس خيانة.


بل إن كشف الأخطاء قبل وقوع الكارثة هو أعلى درجات الوطنية.


فالأمم التي تسمح بالمراجعة والمحاسبة تتعلم بسرعة أكبر من غيرها.


الدرس الأكبر


لو أمكننا أن نلخص النكسة في جملة واحدة،  إن مصر لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعلم والحرية والمسؤولية واحترام الحقيقة.


فالهزيمة لم تكن هزيمة جندي مصري قاتل في الصحراء، بل كانت هزيمة منظومة كاملة من الأخطاء والتقديرات غير الدقيقة. أما النصر الذي تحقق بعد ذلك بسنوات، فقد جاء عندما اقتربت الدولة أكثر من الواقع، واعتمدت على التخطيط والعمل والمؤسسات.


وهكذا يبقى الخامس من يونيو1967 ليس مجرد ذكرى لهزيمة عسكرية، بل درساً تاريخياً دائماً أن قوة الأمم تبدأ من قدرتها على رؤية الحقيقة كما هي، لا كما تتمنى أن تكون.






إرسال تعليق

0 تعليقات