سديم
بقلم إيمان عوض 🇪🇬
انزلت حقيبة سفرها و خطت بتؤده نحو شباك التذاكر.. سألها الموظف
إلى أين سيدتي؟
فأجابته بصوت خافت: إلى حيث هناك
مشيره نحو لافته اعلانيه خلفه كتب عليها. .. الامان
توجهت لعربة القطار وجلست على مقعدها
نظرت من النافذة فور تحرك القطار ، فرأت ليلاً حالك السواد رغم أنها رحلة التاسعه صباحا ،
نظرت لساعة يدها، فوجدت عقاربها متوقفة
ادارت رقبتها الى النافذة المقابلة لترى صوت الرعد المرتعد الخائف.. يضرب السحاب
و السماء ينهال بكائها مطرا...
حاولت أن تغفو قليلا . ..لكن ضربات قلبها كانت تتسارع بعنف
فكيف لها أن تنام في هذا الصخب الداخلي؟
وفجأة، قطع الصمت صوت صياح و سباب ...
نظرت خلفها، فرأت رجلاً فظاً يجلس على مقعده، يمسك ألوانا و أمامه لوحه يرسمها وهو ثائر ..يصيح و يسب الجميع استوقفت النادلة و التي كانت تمر بعربة الشاي وسألتهاو هي منزعجة..
هلا اوقفتموه رجاءً
فأجابتها بهدوء:
للاسف عزيزتي ..لا أحد يستطيع ذلك
.. ففظاظته تلك هي ما يهدئ من روعه، وإلا ..لتحول إلى طفل خائف يبكي... هذه الثورة هي جدار حمايته ثم انحت بوجهها و نظرت إلى عيناها مباشرة و أكملت ، ..تماماً مثل عيناك المترقرقتين الجميلتين هاتين
لو أوقفناهما، فلا ندري ماذا سيحل بجدار حمايتك وقناع ثباتك الداخلي..
نحن هنا نترك الركاب كلاً على طريقته، فجميع رفقاء الرحلة كُسِر حاجز أمانهم،لكنك . ..الأقوى...
لقد استقلوا القطار أملاً في أن يصلوا..
إلى الأمان ..
متحاملين على أنفسهم و محتملين في سبيل ذلك مشاهد الظلام الطويل تلك التي تحاوطهم على جنبات الطريق..
نظرت للخارج حيث أشارت النادلة، ثم سألتها:
ولكن متى سنصل؟
لكنها لم تجدها، فقد وضعت أمامها كأساً ساخنة من النعناع البري ورحلت..
تناولت المشروب، ونظرت إلى المرأة في المقعد الذي أمامها فوجدتها تنحت تمثالا من الطين بأداة نحت حاده تجرح رأس التمثال اكثر منه رسما لملامحه ..
ثم أبصرت رجلاً ينظر من النافذة بالصف المجاور ، فسألته عن الوقت ، فنظر إليها ثم نظر لساعته و رفع يده قبالتها ليريها أنها متوقفه وابتسم..
كان وجهه ملطخاً بألوان باهته.. مرسوم كالمهرج وبيده إبرة حياكه يحيك بها دميه صغيره يصنعها بنفسه ببطء متناهي...
وأمامه جلس رجلا يمسك ريشة ليكتب على دفتر أوراقه من الرقع الجلدية تتساقط الكلمات من قلمه لتسقط على الأرض وكأنها قطرات دم
حاولت أن تتماسك فأخذت تدندن مع نفسها اغنية كانت تغنيها لها والدتها في صغرها لتهدأ
انسابت دموع عينيها انسياباً هادئاً...
فنظرت حولها لتتحقق إن كان أحدا قد رآى دموع عيناها فوجدت جميع من في القطار منهمرا في البكاء لاهون في ما يعملون . ..
طال الطريق و الظلام
لا تدري كم من الوقت مضى تحت وطأة هذا السديم
حتى غلبها النعاس ..فخلدت إلى نوم عميق .....
عندما استيقظت، نظرت حولها آملة أن يكون حلما لتجد القطار كما هو
فقط تحولات بطيئة فيمن حولها فنبرة الرجل الثائر بدأت تخفت تدريجياً، وألوان وجه المهرج تبهت شيئاً فشيئاً مع كل غرزة إبرة، اداة نحت المرأة للتمثال أصبحت غير حاده نحتها أكثر انسيابية
مسحت وجهها بكفيها متثائبه و نظرت من النافذه فإذا بالليل لم ينقشع ثم نظرت إلى ساعة يدها
لتصاب بصدمه ..
نهضت من مقعدها على الفور متوجهة إلى سائق القطار، وسألته:
ألم يأن لهذا الليل أن يندثر؟ ..وكيف مر ثلاثة أشهر ونحن هنا؟...!
ابتسمت قائد القطار التي كانت هي نفسها النادلة ، وقالت لها بهدوء تام:
كيف عرفتِ؟
أجابتها و هي مرتبكه من وقع الصدمات المتكررة: ساعتي..انها تحتوي على عداداً للأيام و الشهور
فأجابتها والابتسامة لا تفارق شفتيها: حسناً، لقد اقتربنا اذاً
طالما أن الساعة عادت للعمل....
أرجو أن تعودي انت ايضا لمقعدك عزيزتي..
الغريب أن دقات قلبها ما عادت تنبض بوقع مرتفع، والأغرب أنها استجابت وعادت لمقعدها ..
استرعى انتباهها حالة الهدوء الذي خيم على المكان فالكل مستكين
تلفتت حولها فوجدت وجه المهرج بلا ألوان، والرجل الثائر الفظ لا يصرخ أو يسب، والرجل الذي أمامها وضع ريشته وأغلق مذكراته، حتى المرأة انتهت من تمثالها الصلصالي...
لكن...، هذا التمثال أهو وجهها؟
نعم، إنه لها هي.
قامت من مقعدها وتمسكت بمذكرات الرجل الذي أمامها، فما كان منه إلا أن ابتسم لها إيماءً..فتحت الاوراق و ذهلت
لقد كان يكتب حكايتها هي... حتى المهرج انتهى من صناعة دمية لها
مهلا اهذه الالوان في في الدميه هي الوان وجهه..
اما الرجل الفظ...فكان يرسم قسمات وجهها وهي تبكي...
لم يتسنى لها ان تفعل شيئاً فقبل أن تنبس ببنت شفة، ارتطمت في الجدار اثر فرملة عجلات القطار قبل أن يتوقف ،ثم تسلل من النوافذ نورا ليعم المكان جذب انتباهها ، و فتحت الأبواب ...
فهبت واقفه و بحركه سريعه غير أراديه أخذت حقيبتها و دلفت إلى الخارج حيث النور
لكنها فوجئت.. إنها في مدينتها!
كيف عادت إليها، لقد كان القطار يمشي إلى الأمام، لم يعد للخلف أبداً...
لكنها حمدت الله وانطلقت تعدو هاربة من تلك المحطة المخيفه، باحثة عن المخرج
اعترضتها النادلة أو قائد القطار قاطعة طريقها
و قالت
لم تودعينني بعد ...
فاجابتها و هي تحاول الابتعاد:
اغربي عن طريقي
فأجابتها والابتسامة ما زالت على شفتيها:
لما كل هذا العداء ؟!..ألا تشكرني على دقات قلبك التي توقفت، وعيناك اللتين جمدتا بكاءهما؟ لقد أوصلتك إلى الأمان الذي كنت تبحثين عنه
أجابتها بحيرة و عصبيه:
لقد خدعتني ... انت مشعوذه تلك هي مدينتي القديمة!
فسري لي كيف نسافر ثلاثة أشهر في الظلام ونصل إلى نقطة البداية؟
أجابتها بهدوء:
عزيزتي، أرجعتك للأمان،
وهذا كان طلبك... بعد أن انتهى التئام جروح نفسك وزال ظلام كوابيسك،
من قال لك أن القطار كان يتحرك من الخارج
قد تكون رحلته داخليه
الم تدركي بعد صغيرتي. ...
الأمان ليس مكاناً بعيداً نرتخل إليه ...
فهو منذ البدايه بداخلك و لكن كان صخب اللامك يحول ببنكما ...
لقد استلهمت احلامك من قلب كوابيسك
فتعافيت و ألهمت الجميع الشفاء لانعكاس مرآة روحك ..
الم اقل لك منذ بداية الرحلة ..
انك الاقوى؟


0 تعليقات