الأرملة السوداء امرأة العنكبوت بقلم عبد السميع المصري

 

الأرملة السوداء  امرأة العنكبوت




بقلم عبد السميع المصري

كان يا ما كان، في قديم الزمان، بيتٌ جميل تسكنه أسرة تبدو من الخارج سعيدة، تجمع بين الأب والأم وثلاث بنات: فريال، منال، وابتسام.

كانت الحياة تسير بهدوء، حتى جاء يوم تغيّر فيه كل شيء.

توفي الأب فجأة في حادث أليم، وكانت فريال وقتها في السنة الأخيرة من الثانوية العامة. ورغم الصدمة، تماسكت وأكملت دراستها حتى نجحت والتحقت بمعهد لإدارة الأعمال.

لكن القدر لم يمنح الأسرة فرصة لالتقاط أنفاسها.

فبعد وفاة الأب بفترة قصيرة، رحلت الأم أيضًا، بعدما أنهكها الحزن على زوجها، وتركت بناتها الثلاث وحدهن في منزل كبير، يملكنه، ولديهن حساب مصرفي يكفي احتياجاتهن لسنوات.

ظنّت الأخوات أن المال والبيت سيمنحانهن الأمان.

لكنهن لم يعرفن أن الطمع أحيانًا أخطر من الفقر، وأن الوحدة قد تجعل الإنسان فريسة سهلة للآخرين.

مرت السنوات، وأنهت فريال دراستها، بينما كانت شقيقتاها التوأم، منال وابتسام، تدرسان في المعهد نفسه.

ثم جاء الزواج.

تقدم شاب لخطبة ابتسام، وكان زميلًا لها في المعهد ويحبها، فوافقت عليه، وقررت أن تكمل دراستها من المنزل.

وبعد فترة قصيرة، تقدم شاب آخر لمنال، فوافقت هي الأخرى، وانتقلت إلى بيت زوجها.

وفي غضون أشهر قليلة، أصبحت فريال وحيدة في المنزل.

لا أب، ولا أم، ولا أقارب قريبون، ولا صديقة حقيقية تستطيع أن تطرق بابها في أي وقت.

لكن فريال لم تستسلم.

حصلت على وظيفة في إحدى الشركات، وبفضل تفوقها أصبحت مسؤولة عن قسم مهم من أقسام التخطيط ووضع خطط العمل.

كان مديرها رجلًا تجاوز الخامسة والخمسين، وكان يعاملها كابنة له، ويثق بقدراتها.

وفي إحدى المناسبات الخاصة بالعمل، ظهر رجل أعمال شاب اسمه عادل.

قدم نفسه على أنه يريد التعامل مع الشركة، وبدأ يتردد عليها كثيرًا، يسأل عن المنتجات والأسعار والعروض، ويأخذ الكتالوجات دون أن يتم أي اتفاق حقيقي.

كانت فريال تراه مجرد رجل أعمال.

لكنه كان يراها شيئًا آخر.

كان يراقبها.

يدرس شخصيتها.

ويبحث عن نقطة ضعفها.

وفريال، التي لم تدخل في علاقة عاطفية من قبل، لم تكن تعرف أن الرجل الذي يقترب منها بابتسامة هادئة قد يحمل وراءها نية سوداء.

بدأ يتقرب منها، يتحدث معها بلطف، ويشعرها بأنها مختلفة عن الجميع.

ومع الوقت، بدأت فريال تميل إليه.

وفي إحدى المرات أوصلها إلى منزلها بحجة أنه يريد أن يرى المكان لأنه يفكر في السكن بالقرب منه.

لم تكن تعرف أن تلك الزيارة كانت بداية الكارثة.

في إحدى الليالي، عاد عادل ومعه ثلاثة من أصدقائه.

دخلوا المنزل، واعتدوا على فريال وسرقوا ما فيه، ثم تركوها بين الحياة والموت.

كانوا يخفون وجوههم خلف الأقنعة، لكن فريال، وسط الألم والخوف، لم تنسَ صوتًا ولا رائحة.

كانت تعرف أن واحدًا منهم هو عادل.

وبعد أن استعادت وعيها، اتصلت بشقيقتيها.

جاءتا إليها، لكنها كانت تنتظر منهما شيئًا واحدًا:

أن تقفا بجانبها.

إلا أن الصدمة الأكبر لم تكن فيما فعله الغرباء.

بل فيما فعلته شقيقتاها.

قالتا لها إن الأفضل ألا تبلغ الشرطة، وإن عليها بيع المنزل وإعطائهما نصيبهما، ثم تذهب إلى مكان بعيد وتبدأ حياتها من جديد.

نظرت إليهما فريال طويلًا.

كانت دموعها تنزل دون صوت.

ثم قالت:

"الغريب جرح جسدي… أما أنتما فقد جرحتما قلبي."

وأضافت:

"سأرسل إليكما أموالكما كاملة، لكن من هذه اللحظة… لا أريد أن أعرف أن لي أخوات."

خرجتا من المنزل.

وبقيت فريال وحدها.

في تلك اللحظة، مات شيء بداخلها.

لم تعد الفتاة الهادئة التي تخاف من الوحدة.

ولم تعد تثق في الحب.

ولا في الأخوة.

ولا في البشر.

لكنها قررت أن تعيش.

وقررت أيضًا ألا تكون فريسة مرة أخرى.

اتصلت بعادل.

أجابها.

قالت له بصوت ضعيف متصنع:

"أريدك أن تأتي إليّ… أنا في حالة سيئة جدًا، ولا أستطيع أن أشرح لك ما حدث عبر الهاتف. أحضر بعض الطعام والدواء وتعال."

جاء عادل بالفعل، وكأنه لم يفعل شيئًا.

استقبلته فريال وكأنها لا تعرف الحقيقة.

حكت له ما حدث، وأخبرته أن شقيقتيها تخلتا عنها، وأنها أصبحت وحيدة.

ثم أخبرته أنها تملك مالًا كثيرًا.

لمعت عيناه.

وهنا تأكدت فريال من كل شيء.

لم يكن يبحث عن إنقاذها.

كان يبحث عن أموالها.

تظاهر عادل بأنه يحبها، وعرض عليها الزواج.

وافقت.

لكنها كانت قد بدأت لعبتها الخاصة.

تم الزواج بحضور المأذون وأصدقاء عادل.

نظرت فريال إلى الرجال جيدًا.

لم تكن ترى وجوههم فقط.

كانت ترى وراء الوجوه الأقنعة التي أخفت جرائمهم.

بعد انصراف الجميع، بقي عادل معها.

كان يظن أنه انتصر.

لكنه لم يكن يعرف أن المرأة التي أمامه لم تعد تلك الفتاة التي عرفها من قبل.

وفي تلك الليلة، واجهته بالحقيقة.

قالت:

"أنا أعرفك يا عادل."

ارتبك.

"تعرفيني؟"

قالت:

"عرفتك من صوتك… ومن رائحتك… ومن الطريقة التي كنت تتحدث بها."

حاول الإنكار.

لكن فريال كانت قد قررت الانتقام.

لم يكن انتقامًا طبيعيًا.

كان انتقام إنسانة تحطم قلبها وعقلها تحت وطأة ما حدث لها.

وبدأت سلسلة من الجرائم، أصبحت فيها فريال تطارد كل رجل شارك في الجريمة.

كانت تستدرجهم واحدًا تلو الآخر، وتواجههم بما فعلوه، ثم تنهي حياتهم وتخفي آثار جرائمها.

لم تكن ترى الرجال رجالًا.

كانت تراهم جميعًا وجوهًا متكررة لذلك اليوم المشؤوم.

وبمرور الوقت، أصبحت فريال تعيش بشخصيتين:

امرأة هادئة أمام الناس…

وامرأة أخرى تعيش داخلها، مليئة بالغضب والرعب والانتقام.

باعت منزلها، وانتقلت إلى مدينة ساحلية بعيدة، وغيّرت اسمها ورقم هاتفها، وأرسلت إلى شقيقتيها نصيبهما من المال، ثم قطعت كل صلة بهما.

وبدأت حياة جديدة.

لكن الماضي لم يتركها.

كانت كلما تزوجت رجلًا جديدًا، تبدأ الليلة بالحب والكلام الجميل…

ثم، عندما ينام، كانت ذاكرتها تعود بها إلى الماضي.

كانت ترى في وجهه وجوه المعتدين.

تستيقظ بداخلها المرأة الغاضبة، وتتحول ليلة الزواج إلى ليلة أخرى من الرعب.

ومع مرور الوقت، بدأت تتخلص من ضحاياها بالطريقة نفسها، وتخفي آثار جرائمها في حديقة منزلها.

حتى جاء يوم غريب.

كانت فريال تسير في الطريق، فاقتربت منها سيارة وكادت تصدمها.

كان قائدها رجلًا يدعى مراد.

كان رجل أعمال ثريًا، لكنه كان فاقدًا للبصر.

نزل من السيارة، واعتذر لها، ثم نقلها إلى المستشفى للاطمئنان عليها.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ يرسل إليها الطعام والاحتياجات عن طريق سكرتيرته.

لم يطلب منها شيئًا.

لم يقترب منها.

لم يسألها عن ماضيها.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت فريال بالأمان.

بدأت تزوره في شركته.

وتحدثا طويلًا.

ثم صارحها بحبه.

كان مراد قد فقد زوجته منذ سنوات، وكان يعيش وحيدًا هو الآخر.

وافقت فريال على الزواج منه.

وبعد أقل من شهر، حضر المأذون، وتم عقد الزواج.

لكن مراد أخبرها بعد العقد مباشرة أنه يريد السفر معها.

وبالفعل، سافرا وقضيا عشرة أيام كانت بالنسبة إلى فريال أجمل أيام حياتها.

كانت تشعر معه بشيء لم تعرفه من قبل:

الأمان.

ولأول مرة منذ سنوات، نامت وهي لا تخاف.

لكن عندما عادا إلى المنزل، حدث شيء لم تتوقعه.

في إحدى الليالي، دخل مراد غرفة النوم.

وبمجرد أن اقترب منها، عادت إليها كل الذكريات.

رأت أمامها وجوه الرجال الذين اعتدوا عليها.

غاب عنها الواقع.

وأعطته شرابًا يحتوي على منوم.

وعندما استيقظ، وجد نفسه مقيدًا.

نظرت إليه فريال بعينين غريبتين وقالت:

"أنت واحد منهم."

حاول مراد أن يتحدث.

لكنها لم تكن تسمعه.

أمسكت سكينًا، وهمّت بالانتقام.

لكنها عندما اقتربت منه، نظرت إلى عينيه.

توقفت.

فهذا الرجل لم يكن واحدًا منهم.

كان الرجل الذي أحبها دون أن يسأل عن ماضيها.

الرجل الذي أعاد إليها إحساس الأمان.

سقطت السكين من يدها.

وفجأة انفجرت في البكاء.

فكّت قيوده، وجلست أمامه وهي ترتجف.

لم تفهم ماذا حدث لها.

أما مراد، فجلس بجانبها وقال:

"أنتِ تحتاجين إلى مساعدة… وأنا لن أتركك وحدك."

وفي تلك اللحظة، سُمعت أصوات خارج المنزل.

كانت الشرطة.

لم تعرف فريال من الذي أبلغ عنها.

لكن رجال الشرطة دخلوا المنزل، وبدأوا التفتيش.

وبعد دقائق، اكتشفوا الأدلة التي قادتهم إلى جرائمها السابقة.

انهارت فريال.

ولأول مرة منذ سنوات، لم تحاول الهرب.

حكت كل شيء.

حكت عن وفاة والديها.

عن وحدتها.

عن شقيقتيها.

عن الرجل الذي خدعها.

عن الجريمة التي غيرت حياتها.

وعن الرجال الذين شاركوا فيها.

وحكت كيف تحول الألم إلى غضب، والغضب إلى انتقام، والانتقام إلى سلسلة من الجرائم.

وقفت أمام المحكمة وقالت:

"أنا لا أطلب منكم أن تعتبروني بريئة… لكن اسألوا أنفسكم: ماذا يحدث للإنسان عندما يُقتل بداخله الإحساس بالأمان؟"

ثم أضافت:

"أنا لم أولد قاتلة.

أنا كنت فتاة تحلم بحياة بسيطة.

لكنني فقدت أبي وأمي، ثم فقدت أخواتي، ثم فقدت ثقتي في الناس، ثم فقدت نفسي."

سكتت لحظة، ثم قالت:

"كنت أبحث عن العدالة… لكنني اخترت الطريق الخطأ."

وهكذا انتهت حكاية فريال.

المرأة التي بدأت حياتها كفتاة متفوقة وهادئة، وانتهت بلقب مخيف تناقلته الصحف والناس:

الأرملة السوداء… امرأة العنكبوت.

لكن السؤال الذي ظل بلا إجابة:

هل كانت فريال وحشًا منذ البداية؟

أم أن الوحوش الحقيقية هي التي صنعت منها ذلك الوحش؟

النهاية.







إرسال تعليق

0 تعليقات