وهم النجومية بقلمي منى بغدادي 🇪🇬

 

وهم النجومية




بقلمي  منى بغدادي  🇪🇬


وقفتُ على منصةٍ لم أصل إليها بعرق قلمي ولا بسهر الليالي ولا بوجع الكلمات وهي تولد من بين ضلوعي .


وقفتُ هناك لأن إصبعاً ضغط زراً … فصنعت الشاشةُ نجمةً لا تستحق أن تلمع .


ارتفعت الأيدي بالتصفيق وتعالت الكلمات والتُقطت الصور وابتسمتُ أمام الجميع كأنني وصلتُ إلى حلمٍ طال انتظاره .


لكنني في تلك اللحظة تحديداً لم أكن سعيدة .


كان هناك شيءٌ في داخلي يرفض الاحتفال .



شيءٌ كان يهمس لي بصوتٍ لا يستطيع التصفيق أن يُسكته :


“أنتِ تعرفين الحقيقة"


نظرتُ إلى المنصة ثم إلى الشهادة التي مُنحت لي ثم إلى الأضواء التي تحاصر وجهي وفجأة … شعرتُ أن كل هذا البريق باهت .


فما قيمة نجوميةٍ لم أصنعها ؟


وما قيمة تكريمٍ لم أدفع ثمنه من عمري ؟


وما معنى أن يُقال عني “كاتبة” ، بينما أعرف في أعماقي أنني لم أضع في هذا المكان ما يستحقه اسمي ؟


أيُّ مجدٍ هذا الذي يُمنح بلا تعب ؟


أيُّ وسامٍ ذلك الذي لا يحمل على أطرافه آثار السهر ولا رائحة الورق ولا وجع المحاولة ولا خوف الكاتب وهو يضع جزءاً من روحه في سطر ؟


الكاتب الحقيقي لا يبدأ من المنصة …


يبدأ من غرفةٍ هادئة وورقةٍ بيضاء وقلبٍ ممتلئ بما لا يستطيع قوله لأحد .


يبدأ من كلمةٍ مشطوبة عشر مرات ومن فكرةٍ ظل يبحث عن التعبير الصحيح لها طوال الليل .


يبدأ من لحظات الشك حين يسأل نفسه :


هل ما أكتبه يستحق أن يُقرأ ؟


ثم يكتب رغم خوفه .


ويُعيد الكتابة رغم فشله .


ويُحاول من جديد رغم أن أحداً لا يصفق له .


تلك هي النجومية التي أعرفها .


أما أن يتحول الضغط على زر إلى مجد والصورة إلى إنجاز والشهادة إلى دليل على موهبة لم تُختبر … فذلك ليس نجاحاً .


ذلك وهم النجومية .


والأخطر من أن نخدع الآخرين … أن ننجح في خداع أنفسنا .


فقد يستطيع الإنسان أن يخدع جمهوراً وأن يقنع الناس بأنه وصل وأن يجمع حول اسمه التصفيق والتكريم والصور .


لكنه لن يستطيع أن يخدع مرآته حين يختلي بنفسه .


ولن يستطيع أن يخدع ضميره .


ولن يستطيع أن يهرب من السؤال الذي سيظل يطارده :


“هل كنتُ أستحق كل هذا فعلًا ؟”


وفي لحظة صدقٍ واحدة … قد تسقط كل الألقاب .


قد تصبح الشهادة مجرد ورقة .


والصورة مجرد صورة .


والتصفيق مجرد ضجيج .


ويبقى الإنسان وحده أمام الحقيقة .


وأمام الله .


وهناك … لا تنفع الأضواء .


لا تنفع الألقاب .


لا تنفع المجاملات .


ولا تُقاس قيمة الإنسان بعدد المرات التي صعد فيها إلى المنصة ، وإنما بعدد المرات التي اختار فيها أن يكون صادقاً حين كان يستطيع أن يكذب .


لهذا سألتُ نفسي :


هل أقبل تكريماً لم أبذل من أجله جهداً ؟


هل أضع اسمي على شيءٍ لا أشعر أنه يشبهني ؟


هل أحتفظ بلقبٍ يصفق له الناس بينما أشعر أنا في داخلي أنه أكبر مني ؟


كانت الإجابة مؤلمة … لكنها كانت صادقة .


لا


سأرفض .


ليس لأن التكريم قليل القيمة …


ولكن لأن قيمة اسمي عندي أكبر من أن أضعه على شيءٍ لا أستحقه .


سأرفض أن أكون نجمةً مصنوعة من الوهم وأختار أن أكون كاتبةً تصنع طريقها ولو كان طويلاً .


سأختار أن أتعب .


أن أتعلم .


أن أخطئ .


أن أُعيد المحاولة .


أن أكتب نصاً لا يصفق له أحد ، لكنني حين أقرأه أشعر أنني كنت صادقة .


فما أريده ليس أن يقول الناس :


“انظري كم هي مشهورة"


بل أن يقولوا يوماً :


“انظري كم كانت صادقة"


أنا لا أريد نجوميةً تُمنح لي .


أريد أثراً أستحقه .


لا أريد منصةً ترفعني للحظات .


أريد كلمةً تبقى بعد أن تنطفئ الأضواء .


لا أريد شهادةً تعلق على جدار .


أريد أن أترك شيئاً في قلب إنسانٍ قرأني ذات يوم وشعر أن كلماتي لم تمر عليه عبوراً .


فالنجومية الحقيقية ليست أن يصفق لك الناس وأنت على المنصة …


النجومية الحقيقية أن تبقى واقفاً أمام نفسك حين ينفض الجميع من حولك .


أن تنام وضميرك هادئ .


أن تنظر إلى قلمك فلا تخجل منه .


أن تعرف أن كل حرفٍ كتبته خرج من مكانٍ صادق فيك .


وأن تقول لنفسك :


لم أصل لأن أحداً منحني مكاناً …


وصلت لأنني استحققت مكاني .


وفي النهاية … أدركتُ أن أجمل تكريمٍ يمكن أن يحصل عليه الكاتب ليس شهادةً، ولا درعاً ، ولا صورةً تحت الأضواء .


أجمل تكريم …


أن يظل اسمه نظيفاً .


وقلمه صادقاً .


وقلبه مطمئناً .


وأن يستطيع حين يخلو بنفسه، أن يقول :


“لم أبع قلمي من أجل نجمة …


لأنني كنت أعرف أن النور الحقيقي لا يُشترى"


فقد تنطفئ كل الأضواء …


لكن الحقيقة لا تنطفئ .


وقد ينسى الناس التصفيق …


لكن الضمير لا ينسى .


وقد تسقط كل الألقاب …


ويبقى اسم الإنسان .


ولهذا اخترتُ أن أكون إنسانةً تستحق اسمها …


قبل أن أكون نجمةً يعرفها الناس .





 


إرسال تعليق

0 تعليقات