إجتباء سرمدي
بقلم ايمان عوض
رسمها بالفحم الأسود على ورق مقوى
بملامح هي مزيج من الخوف و الرهبه
حبيسة كهف مظلم
لا تخرج من مخدعها
حتى استجمعت شجاعتها وقررت أن تغادر
لكن ملامح الخوف التي رسمها على وجهها تحاصر كيانها ..
بكت ليال طوال ...
دموع عيناها نزلت فمحت الخطوط التي شكلت معالم الخوف
استطاعت شفتاها الابتسام اخيرا دون خوف
استجمعت قواها مقررة أن تخرج
و ما أن همت بذلك ..حتى سمعت صوته يتردد:
أنت شجاعه حقا كيف تجاوزت ذلك ..
بحث عن مصدر الصوت فأبصرت يدا ًممدودة إليها
و اكمل الصوت ..
تستحقين الافضل وسأساعدك هات يدك ...
اطمئن ِ..ما عاد السجان هنا، لقد رحل ..
مدت يداها المرتعشتان له ...
فسحبها، ورسم لها طريقاً ودرجات سلم
لتخرج من إطار لوحتها
شعرت بسعادة تغمرها و هي تخطو خارج الاطار
سلكت طريق خطوطه وخطاه
تتبعه بقلب جسور مطمئن ،وابتسامة الأمل لا تفارقها
فحاولت أن ترد جميله ..
فقد آثرها معروفه
اعطته جل ما تقدر عليه دون مقابل ...
كانت تحكي له قصصاً،،
و من خطوط شعرها ترسم له وروداً
تزرعها على مكتبه كل صباح ..
فتكبر و تنثر عطرا ليس له مثيل يعبق به المكان..
كلما تعكر الحياه صفوه
كانت تلاحظ هالة من الظل حول وجهه
فكانت تنظف تلك الهاله بأن تسحب الوانها
غير عابئه بذلك الشعور الذي كان ينتابها بعد حينٍ ..
كان مزيجا من الحزن و الإرهاق لكنها كانت سعيده
حينما يكون حزيناً ..تواسيه
وحينما يكون يائساً.. تشجعه
تستمع لشكواه و كوابيسه ...
وتسال عنه في مرضه وتظل تدعو له بالشفاء في صلاتها حتى يشفى
تفتح لشمس النهار لتشرق من نافذته
ثم ترتب له أوراقه وتباشر مهام عمله عنه في مرضه ليعود فيجد كل شيئاً على ما يرام ..
باتت مرهقة جداً من إثر خطوط جسدها التي تستنذفها لتخلق له الموجودات لدرجه جعلتها شفافه
و هالة الالم التي تلتقطها عنه ..
و في وقت فراغها تعلق عيناها إلى السماء..
تتأمل النجوم وتتمنى امنيه..
كلما رأت شهابا ..تمنت امنيه واحده
أن تصبح حقيقيه مثله
بمرور الأيام
أصبحت ملونه و مبتهجه .....
و في ليله فاجأها بأن رسم لها سلماً
تصعد درجاته لتعلو فترى السماء بوضوح
أسعدها ذلك حقا
فكان كل ليله يرسم لها عدة درجات أعلى ..
تصعدها لتنظر للنجوم ليلا
فتشاهد أحلامها تتراقص على صفحة السماء
ثم تعاود الهبوط إليه في اليوم التالي
لتعاونه ..و تحرر خطوطها
لتحيلها إلى موجودات تدب فيها الروح ..
حتى باتت حياته جنة من السعادة التي رسمتها له
وذات يوم كان مزاجه سيئاً جدا
أخذ يرمي الاوراق
فذهبت إليه بباقه من الزهور و هي مبتسمه
ألقاها في وجهها و اخذ يقطف ورودها و يحطم أحلامها حاولت أن توقفه و تمنعه ..
فازاحها بيده بقسوة و عنف
صعدت هاربه لأعلى درجات السلم لتحمتي
من ثورته و هي تسأله ...ماذا دهاك
فأجابها انت تعيقيني
و تحاولين أن تكوني محور حياتي
حتى زهورك تلك ليست حقيقيه..
انت مجرد رسمة صماء اتحكم بها كيفما اشاء
لا اريدك ان تتدخلي في واقعي ..
و لن اظل حبيسا في احلامك الساذجه تلك
سأحيا في عالم حقيقي بكل مادياته
إجابته و الدموع تنهال من عيناها..
اذا امعنت النظر جيداً
ستجد الموجودات من حولك جميعها تنبض بالحقيقة انظر الى الزهور و الفراشات التي تطير حولك..
لم يجيبها ...
أخذ الممحاة ومحى كل درجة رسمها ...
ثم رسم لها خطا ممدودا لداخل إطار اللوحه القديمه
و قال :
سئمت تدخلك في حياتي..
ابقي هنا أو عودي لكهفك ...
قالها و رحل ،،
تعجبت من ردة فعله..
ثم وجدت قلبها قد ذابت خطوطه ألما
و تباطأت دقاته..
لكن في تلك اللحظة المعلقة في الفراغ
التمعت في السماء نجمة اومضت بنورٍ عجيب
قذف في داخلها روحا حقيقيه
لقد تحققت أمنيتها إذاً ...
لقد دبت فيها الحياه..
تحسست صدرها الذي يتوهج بنور روحها
و نظرت إلى الدرجات الممحوة أسفلها....
ثم تأملت يديها وخطوط جسدها التي أفنتها في إسعاده ..
حينها أدركت أن الامل كان ينبع من داخلها ...
حينما بكت و مسحت بدموعها خوفها..
وحينما انبتت من خطوط جسدها وروداً حيه ..
و حينما سمحت للشمس أن تدلف اليها..
و لكن هل ستحيا مع اولئك البشر ؟!
لم تبكي هذه المرة،،
ولن ترضى الهوان أو القيد لحين أن يحنو هو عليها و يحررها ثانية من سجنها الجديد
رفعت بصرها إلى السماء
لقد منحتها روحا لتحيا
و لكن الأرض على اتساعها ...ضاقت بها رحباً
فما عادت ترغب في الحياه
حتى و ان منحت روحا
فهي تأبى أن تحيا في واقع مزيف و اناني..
و أخيرا فردت ذراعيها، وألقت بنفسها من علي ...
تحررت روحها
لترتقي صاعدة للسماء
بعد أن تهشمت خطوط جسدها
لتصبح حرة تماما تتحرك في كل مكان ...
.......................
استيقظ من نومه على دقات الساعه ..
ليجد نفسه وحيداً ..
بدونها ..
تركته في واقعه المرير الذي اختاره عنها ...
فكان ذلك مصيره الابدي
الوحدة الابديه ..
يحاول أن يمسح دمائها من على يداه كل نهار..
حتى يحين الليل فيحاول أن يلملم خطوط رفاتها من حوله ..
تلك الخطوط التي أصبحت تلاحقه...
حتى في أحلامه..
ترسم له مشاهد قوتها وتضحيتها التي أضاعها بغروره...
لقد حاول أن يجدها
وحاول أن يهرب منها
لكن دون فائدة
كل محاولاته باءت بالفشل..
كأن حريتها أصبحت لعنته الأبدية
التي لن تزول ابدأ...





0 تعليقات