نسخ القرآن بالسنة بين النظرية والتطبيق بقلم د كامل النحاس

 

نسخ القرآن بالسنة  بين النظرية والتطبيق


سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟




بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس


المقال الرابع عشر


تمهيد: هذا مقال صحفي معرفي يشرح الفكرة بأيسر صورة، أما التفصيل الأصولي فمحله كتب أصول الفقه.


في المقال السابق وصلنا إلى مرحلة دقيقة من مراحل التعامل مع الأدلة.


فإذا بدا للفقيه أن نصين مختلفان، لم يسارع إلى القول بالنسخ.


يبدأ أولًا بالتثبت من النصين، 


ثم يحاول الجمع بينهما، 


فإن تعذر الجمع بحث عن الترجيح، 


فإن تعذر ذلك أيضًا، 


وثبت أن أحد الحكمين جاء بعد الآخر، 


وتحققت شروط النسخ،


 أمكن القول عندئذ:  أن الحكم الثانى قد نُسخ الحكم الأول.


لكن هنا يظهر سؤال أكثر دقة:


إذا كان القرآن وحيًا من الله، وكانت السنة النبوية وحيًا في باب التشريع، 

فهل يمكن أن يرفع حكمًا قرآنيًا ثابتًا حكمٌ ثبت بالسنة؟


هذا هو السؤال الحقيقي.


وقبل الإجابة، لا بد من إزالة لبس مهم:


حجية السنة شيء، ونسخ القرآن بالسنة شيء آخر.


ليست المسألة: هل السنة حجة؟

فحجية السنة النبوية في التشريع أصل مقرر عند أهل الإسلام.


والقرآن نفسه أمر بطاعة الرسول ﷺ، قال تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].


وقال سبحانه:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].


فليس البحث هنا في أصل حجية السنة، ولا في وجوب العمل بها.


وإنما البحث في مسألة أصولية أدق:


هل الحكم الذى ثبت بالقرآن يمكن رفعه ونسخه بحكمٌ آخر متأخر عنه ثبت بالسنة؟


فقد يكون الدليل حجة يجب العمل بها، ومع ذلك لا يكون كل نوع من أنواع الحجج صالحًا لرفع كل نوع من الأحكام.


وهنا يبدأ الخلاف الحقيقي.


القرآن ثابت كله.. والسنة ليست في درجة واحدة

القرآن الكريم ثابت بالتواتر، ولذلك كان ثبوت نصوصه قطعيًا.


أما السنة، فمنها ما ثبت بالتواتر، ومنها ما ثبت بطرق أخرى، وتختلف درجات هذه الطرق في إفادتها للعلم واليقين.


ولهذا بحث الأصوليون في مسألة النسخ سؤالًا أدق:


ما درجة ثبوت السنة التي يراد أن تنسخ حكمًا قرآنيًا؟


فذهب جمهور من الأصوليين إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، بينما منع ذلك آخرون.


أما السنة الآحادية، فكان الخلاف فيها أشد، وذهب جمهور الأصوليين إلى أنها لا تنسخ حكمًا قرآنيًا.


إذن فالخلاف ليس في أن السنة حجة، وإنما في مرتبة الدليل المطلوبة لرفع حكم ثبت بدليل قرآني قطعي الثبوت.


لماذا كل هذا الاحتياط؟


لأن النسخ ليس مجرد اختلاف بين حكمين.


النسخ يعني أن تقول:

كان هذا الحكم الشرعي ثابتًا، ثم انتهى العمل به بدليل شرعي لاحق.


وهذا حكم كبير.


ولهذا فالأصل عند المجتهد ليس أن يبحث عن طريقة لإسقاط أحد النصوص، وإنما أن يبحث عن طريقة تُبقي النصوص كلها عاملة ما أمكن.


فإذا أمكن الجمع، جمع.

وإذا أمكن تخصيص العام، خصصه.


وإذا أمكن تقييد المطلق، قيده.


وإذا ظهر أن لكل نص مجالًا أو حالًا يختلف عن الآخر، حمل كل نص على مجاله.


ولا يصل إلى النسخ إلا إذا لم يبق أمامه تفسير معتبر آخر.


ومن هنا تأتي قاعدة مهمة:


الأصل بقاء النصوص عاملة، والنسخ استثناء، والاستثناء لا يثبت بالاحتمال.


ولكن أين المثال؟


هنا يأتي السؤال الذي قد يطرحه القارئ المثقف:


إذا كان هذا الخلاف الأصولي قائمًا، فأين المثال الذي نسخت فيه السنة حكمًا قرآنيًا؟


وهنا ينبغي أن نكون أكثر احتياطًا.


فليس كل ما ذكره بعض العلماء في كتب الأصول على أنه نسخ يصلح أن يكون مثالًا متفقًا عليه.


ومن أشهر ما يذكر في هذا الباب حديث:

لا وصية لوارث.


وقد فهم بعض العلماء أن السنة رفعت حكمًا سابقًا يتعلق بالوصية للوارث، بينما رأى آخرون أن المسألة لا تحتاج إلى القول بنسخ القرآن بالسنة، وأن الحكم استقر بآيات المواريث، وأن السنة جاءت مؤكدة أو مبينة.


فالمثال مشهور، لكن كونه نسخًا للقرآن بالسنة ليس محل اتفاق.


وهذا في الحقيقة لا يضعف البحث، بل يكشف مدى احتياط العلماء في إطلاق كلمة نسخ.


وماذا عن الرجم؟


وقد يذكر بعض الناس مسألة رجم الزاني المحصن مثالًا آخر.

قال تعالى:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].


وثبتت السنة الصحيحة في رجم الزاني المحصن.


فهل يعني هذا أن السنة نسخت حكم القرآن؟


الإجابة تحتاج إلى توقف.


فقد بحث العلماء هذه المسألة من جهات متعددة، ومن أشهر ما قيل فيها أن حكم الرجم كان ثابتًا بوحي، وأن الذي وقع فيه النسخ هو تلاوة النص مع بقاء الحكم، لا أن السنة وحدها جاءت فألغت حكمًا قرآنيًا.


وعلى هذا لا يصح تقديم الرجم للقارئ على أنه مثال بسيط ومحسوم على أن السنة نسخت القرآن.


بل هو مثال آخر على ضرورة الدقة في استعمال مصطلح النسخ.


إذن.. هل وقع نسخ القرآن بالسنة؟


هنا ينبغي أن نفرق بين الإمكان الأصولي وثبوت الوقوع في واقعة معينة.


من حيث الإمكان، وقع خلاف معتبر بين الأصوليين.


ومن حيث السنة المتواترة والآحادية، اختلفوا في مدى صلاحية كل منهما لهذا النوع من النسخ.


أما من حيث الأمثلة التطبيقية، فالمسألة أضيق بكثير؛ لأن المثال لا يكفي أن يكون مشهورًا، بل لا بد أن يثبت أولًا أن الحكم القرآني كان قائمًا، وأن السنة جاءت بعده، وأنها رفعت حكمه فعلًا، وأنه لا يمكن تفسير العلاقة بين النصين بالتخصيص أو التقييد أو البيان أو غير ذلك.


ولهذا فالأدق أن نقول:


إن إمكان نسخ القرآن بالسنة مسألة أصولية وقع فيها خلاف، وإن إثبات وقوعه في واقعة معينة يحتاج إلى تحقيق مستقل، وكثير من الأمثلة التي تذكر في هذا الباب وقع الخلاف في كونها نسخًا أصلًا.


وهذه الإجابة أدق من أن نقول ببساطة:


السنة تنسخ القرآن.


كما أنها أدق من القول المقابل:


السنة لا يمكن أن تنسخ القرآن مطلقًا.


فالمسألة أعمق من العبارتين.

وأن باب النسخ.. أضيق مما نتصور


وهنا نصل إلى حقيقة مهمة:


باب النسخ بعد التحقيق باب ضيق جدًا.


فليس كل اختلاف بين نصين نسخًا، وليس كل حكمين مختلفين دليلًا على أن أحدهما ألغى الآخر.


ولهذا فإن ما ثبت فيه النسخ عند التحقيق معدود قليل، وما أطلق بعض العلماء عليه لفظ النسخ في بعض المصنفات أوسع مما استقر عليه التحقيق عند كثير من المحققين؛ لأن عددًا من المسائل التي قيل فيها النسخ أمكن حملها على التخصيص أو التقييد أو البيان أو اختلاف الأحوال.


وهذا التضييق في باب النسخ ليس تعقيدًا زائدًا، وإنما هو ثمرة طبيعية لشدة احتياط المجتهدين.


فالعالم حين يقول:

هذا الحكم منسوخ

فهو لا يصف مجرد اختلاف بين نصين، وإنما يحكم بأن العمل بحكم شرعي قد انتهى بدليل شرعي لاحق.


ولهذا كان يواصل البحث، ويجمع الروايات، وينظر في سياقاتها، ويحاول الجمع بينها، ويبحث عن التخصيص والتقييد والبيان، قبل أن يصل إلى هذه النتيجة.


وفي ذلك درس عظيم في منهج العلماء:


أن الوصول إلى الحقيقة قد يكون شاقًا، لكن مشقة البحث لا تبرر ترك البحث، وسهولة الحكم لا تبرر التسرع فيه.


فكلما ضاق باب النسخ، ظهر مقدار الجهد الذي بذله المجتهدون قبل أن يفتحوه.


كانوا يتحرون الحقيقة مهما كلفهم الوصول إليها من جهد، ويؤثرون التثبت على العجلة، ويحاولون إبقاء النصوص كلها في دائرة العمل ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.


وهذا من عظمة الاجتهاد الفقهي:


ليس في كثرة الأحكام، وإنما في دقة الوصول إليها.


ماذا تعلمنا هذه المسألة عن اختلاف الفقهاء؟


تعلمنا أن اختلاف الفقهاء لا يعني بالضرورة اختلافًا في القرآن أو السنة.


فقد يتفق العلماء على حجية الكتاب والسنة، ثم يختلفون في:

مرتبة الدليل، أو دلالته، أو إمكان الجمع بينه وبين غيره، أو تاريخ وروده، أو تحقق شروط النسخ.


وهذه ليست خلافات في أصل الوحي، وإنما هي خلافات في كيفية فهم الأدلة وترتيب العلاقة بينها.


ولهذا فإن قراءة الخلاف الفقهي بعين مجردة من أدوات أصول الفقه قد تجعل المسألة تبدو أسهل مما هي عليه.


قد يرى القارئ نصين مختلفين، فيقول:

هذا النص نسخ ذاك.

أما الفقيه فيسأل قبل ذلك أسئلة كثيرة:


هل ثبت النصان؟


هل المقصود واحد؟


هل بينهما تخصيص أو تقييد؟


هل يمكن الجمع بينهما؟


هل ثبت التأخر؟


وهل تحققت شروط النسخ؟


وهنا يظهر الفرق بين رؤية النص وصناعة الحكم من النص.


قبل أن نحاكم الفقهاء

عندما نقرأ في كتب الفقه أن عالمًا قال بالنسخ، وقال آخر بعدمه، لا ينبغي أن نتصور أن أحدهما أراد مخالفة النص.


فقد يكون الخلاف في واحدة من المراحل التي مررنا بها في هذه السلسلة:

وصول الدليل، وثبوته، وفهم دلالته، والجمع بين الأدلة، والترجيح بينها، ثم البحث في النسخ.


وهكذا يتضح لنا أن المذاهب لم تنشأ لأن العلماء أرادوا أن تكون لهم آراء مختلفة، وإنما نشأت في جانب كبير منها من اختلافهم في طريق الوصول إلى الحكم الشرعي من الأدلة.


ومن هنا ننتقل إلى سؤال جديد

بدأنا في هذه المرحلة بالسؤال عن وصول الحديث.


ثم سألنا: ماذا لو وصل ولم يثبت؟


ثم: ماذا لو ثبت واختلف الفقهاء في فهم دلالته؟


ثم رأينا كيف يتعامل الفقيه مع النصوص التي يبدو بينها التعارض:


الجمع أولًا، ثم الترجيح، ثم النسخ عند استكمال شروطه.


ثم وصلنا إلى السؤال الدقيق:


هل يمكن أن يرفع حكمًا قرآنيًا حكمٌ ثابت بالسنة؟


فاكتشفنا أن المسألة ليست في حجية السنة أصلًا، وإنما في مرتبة الدليل، وشروط النسخ، وإمكانه، ثم ثبوت وقوعه في واقعة معينة.


واكتشفنا أيضًا أن باب النسخ بعد التحقيق أضيق مما يتصور كثير من الناس.

وهذا يقودنا إلى مرحلة شديدة الأهمية في صناعة الفقه:


فإذا كان الأصل بقاء النصوص عاملة، فكيف يستطيع الفقيه أن يعمل بها جميعًا حين يبدو بينها التعارض؟


هنا لا يكون السؤال:

أي النصين نأخذ ونترك الآخر؟


بل يصبح السؤال الأعمق:

هل كان النصان متعارضين أصلًا؟


فقد يكون أحدهما عامًا والآخر خاصًا، أو مطلقًا والآخر مقيدًا، أو لكل منهما سياق وحال مختلف.


ومن هنا نفتح بابًا جديدًا من أبواب فهم اختلاف الفقهاء:


كيف جمع الفقهاء بين الأدلة التي يبدو بينها التعارض؟




إرسال تعليق

0 تعليقات