قراءة في رواية سر الأثر للكاتب المبدع محي الدين محمود حافظ
بقلمي مرفت صابر
تحياتي لحضرتك أستاذنا الكبير لقد مر وقت طويل على غياب الفيلسوف وسخريته من بني البشر من صفحات عقولنا وشكراً لك لإعادته مرة أخرى ولنبدأ متاهته التي توهم أنه صنعها بحرفية العابد الزاهد ملك السيف والنار
أعترف أنني أقف أمام تجربة فريدة وجريئة من الكتابة تخرج عن المألوف بمستوى سردي متميز ليقلب في صفحات التاريخ عن المسكوت عنه ولا يكتفي فقط بسرد الحكاية المقدسة بل يقلبها رأساً على عقب حيث يظهر إبليس هو الراوي الأصلي وليس مجرد داعم شرير وفي جزء من الرواية يتحدث بلغة العارف بأسماء الله وصفاته والساخر الذي يعمل كمرآة تفضح نفاق الإنسان وتواطؤه الدائم مع الخطيئة مسقطاً هالة التقديس الساذج عن تبرير أخطاء البشر
ثم يقوم الكاتب بنزع اليقين المطلق شر مطلق خير مطلق هنا يدفع القارئ بحرفية عالية للتفكير فيما تلقى من ثوابت واليقينيات و الموروثات المقدسة التي جرى تقديسها بلا تفكير ومصدر المعرفة ووقوفه أمام مرآة نفسه بلا رتوش
من يبحث عن الحقيقة مجردة وليست موروثات تقدسوها ولا تعرفوا مصدرها.
ثم تأتي المتاهة دائرة الشك والتيه الاستعارة المحكمة التي شملت النص الكامل الدوران في حلقة مفرغة إلى العبث البشر يدخلون التاريخ في متاهة من المعصية ثم التمرد ثم انتظار المخلص الذي تشترك فيه معظم الأديان والثقافات المسيا المسيح المهدي كريشنا شرفدين...
ثم العودة للخطايا مجدداً يصرخ إبليس في وجه البشر مبيناً أنهم اتخذوا من الانتظار ذريعة لتعطيل عقولهم والتملص من ثقل المسؤولية الأخلاقية الفردية مترقبين فقط المخلص
أنتم يا بني البشر المدانون، أنتم قتلة الأنبياء
ثم ينتقل الكاتب للأثر والعصا في حديث ملحمي درامي مكثف إذ يمثل الأثر بقايا الدلالة أو العلامة عصا موسى هي رمز للطاقة الإلهية المطلقة والمعجزة لكن ما الذي يفعله السامري؟ إنه يأخذ جزءًا مادياً من الأثر ويدخله في جوف العجل الذهبي أبيس الذي كان ينحته السامري وهو في مصر قبل الخروج ويقوم الناس بتمجيده والصلاة إليه لتبث فيه الروح الإنسان دائماً ما يسعى لتحويل الرموز الروحية الكبرى إلى أصنام مادية يلمسها ويراها مفضلاً المحسوس المباشر على الغيبي المجرد و السامري هنا يمثل المهندس المخادع العقل التلاعبي الذي يدرك أسرار الطبيعة والأثر لكنه يوظفها لخدمة الوهم والسيطرة على الوعي الجمعي
أما موسى فهو سلطة القانون الإلهي والألواح النورانية الصارم في مواجهة الانحراف الحامل لعبء الرسالة وثقل الأمانة رغم قسوة قومه
وحكمه النهائي لا مساس إنه الموقف الأخير لموسى حين يترك السامري قائلاً الأمر بيد الله وأنت من قررت مصيرك. في تيه الصحراء.
المعركة ليست في تدمير الخصم الجسدي بل في وعي الإنسان بذاته فالشر جزء من النظام الكوني المعقد الذي اختاره الإنسان لنفسه بحريته المطلقة
ختاماً
يتميز نص سر الأثر لمحي الدين محمود حافظ بأنه يقع في منطقة فريدة فهو يرفض السرد الديني التلقيني الساذج وفي نفس الوقت لا يسقط في الإلحاد بل يستخدم التراث الإلهي كأداة نقد ذاتي صارم للنفس البشرية. المتاهة الحقيقية ليست في الصحراء وليست في غياب الأنبياء بل هي في بنية النفس البشرية المزدوجة التي تشرع للظلم والقتل وتأكل أموال اليتامى
إنه يذكّرنا بمقولة ألبير كامو في التمرد حيث لا مفر للإنسان من مواجهة قدره ومسؤوليته لا بالانتظار السلبي بل بوعي اليقظة والخروج من متاهات الوهم
شكراً لهذا العصف الفكري الجميل ولهذا النبش العميق في ذاكرة الوعي الإنساني والديني
ونحن في أشد الشوق لما ستحمله محطاتك القادمة في تتبع أسرار الأنبياء والرسل


0 تعليقات