د عيد النوقي حافظ يكتب سلسلة تجارب عالمية ناجحة أحدثت نهضة حديثة ديلي جراف الومال 🇸🇴

سلسلة تجارب عالمية ناجحة أحدثت نهضة حديثة



بقلم المفكر والأديب الدكتور عيد كامل حافظ النوقي


،التجربة التركية الحديثة: نموذج عالمي في التغيير ،والريادة ،وصناعة النهضة"6".

مقدمة: 

لماذا تُعد التجربة التركية جديرة بالدراسة؟

في زمن التحولات الكبرى، حيث تتسارع المتغيرات الاقتصادية ،والسياسية، والتكنولوجية، لم تعد النهضة ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية للأمم.،وبين تجارب عالمية عديدة، تبرز التجربة التركية الحديثة بوصفها نموذجًا حيًا لكيفية انتقال دولة من حافة الانهيار الاقتصادي، والسياسي إلى موقع الفاعل المؤثر إقليميًا ،ودوليًا، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وبإمكانات ذاتية إلى حد كبير.

إن أهمية التجربة التركية لا تكمن فقط في نجاحها، بل في قربها الحضاري ،والتاريخي من العالم العربي ،والإسلامي، مما يجعلها أكثر قابلية للفهم ،والاستفادة، بعيدًا عن النماذج الغربية المنفصلة عن سياقاتنا الثقافية، والقيمية.

أولًا: الخلفية العامة للتجربة التركية قبل التغيير:

قبل مطلع القرن الحادي ،والعشرين، كانت تركيا تعاني من:

أزمات اقتصادية متكررة (تضخم مرتفع، ديون، بطالة).

عدم استقرار سياسي، وانقلابات عسكرية متتابعة.

ضعف في الإنتاج الصناعي، والتكنولوجي.

تبعية اقتصادية واضحة للمؤسسات الدولية.

فجوة اجتماعية بين المركز ،والأطراف.

هذا الواقع المأزوم شكّل دافعًا موضوعيًا للتغيير، وأوجد حاجة ملحّة لرؤية جديدة تعيد تعريف دور الدولة، ووظيفة الاقتصاد، ومكانة الإنسان في مشروع النهضة.

ثانيًا: فلسفة التغيير في التجربة التركية الحديثة:

1. الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الرؤية:

أهم ما ميّز التجربة التركية هو التحول من الحلول المؤقتة إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، عبر:

وضع أهداف واضحة (اقتصاد قوي، صناعة وطنية، استقلال نسبي).

الربط بين السياسة، والاقتصاد، والتعليم.

اعتبار التنمية مشروع دولة لا مشروع حكومة.

2. الإنسان في قلب مشروع النهضة

ركزت التجربة التركية على:

تحسين مستوى معيشة المواطن.

توسيع الطبقة الوسطى.

ربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. فأصبح المواطن شريكًا في التغيير لا مجرد متلقٍّ لقرارات فوقية.

ثالثًا: محاور النهضة التركية الحديثة:

1)التحول الاقتصادي: من اقتصاد هش إلى اقتصاد منتج

إصلاح النظام المالي والمصرفي.

تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.

دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

تنويع مصادر الدخل (الصناعة، السياحة، التصدير).

تقليل الاعتماد على القروض الخارجية.

 النتيجة:

تحول الاقتصاد التركي إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي، وازداد حجم الصادرات، وتحسّن الدخل الفردي، وتراجعت معدلات الفقر.

2) الثورة الصناعية والتكنولوجية:

إنشاء مناطق صناعية وتقنية (Technoparks).

دعم البحث العلمي والابتكار.

ربط الجامعات بالصناعة.

الاستثمار في الصناعات الاستراتيجية (الطيران، الدفاع، الاتصالات).

 نموذج بارز:

الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، التي جعلت تركيا لاعبًا مؤثرًا عالميًا، ومثالًا على الاستقلال التكنولوجي.

3) التعليم وبناء العقل المنتج:

تطوير المناهج:

التوسع في التعليم التقني والمهني.

دعم التعليم العالي والبحث العلمي.

رعاية المواهب الشابة والمسابقات الابتكارية.

 التعليم في التجربة التركية لم يكن مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة استراتيجية للنهضة.

4) البنية التحتية: أساس التنمية الشاملة

شبكات طرق حديثة:

مطارات عالمية.

مشاريع نقل عملاقة.

بنية رقمية متقدمة.

هذه المشروعات لم تكن شكلية، بل دعمت:

التجارة.

الصناعة.

السياحة.

تكامل الأقاليم.

5) السياسة الخارجية: من الانكفاء إلى الفاعلية:

تنويع العلاقات الدولية.

سياسة الانفتاح على آسيا وأفريقيا.

توظيف القوة الاقتصادية والدبلوماسية.

الجمع بين المصالح الوطنية والبعد القيمي.

رابعًا: مقومات نجاح التجربة التركية:

الإرادة السياسية الواضحة

الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى

الاستثمار في الإنسان

الاعتماد على الذات مع الانفتاح الذكي

الربط بين القيم والنهضة

تحويل الأزمات إلى فرص

خامسًا: كيف يستفيد العالم العربي والإسلامي من التجربة التركية؟:

1)تبنّي مشروع نهضوي متكامل

لا نهضة بلا رؤية شاملة تربط:

الاقتصاد

التعليم

القيم

السياسة

2) التحرر من عقلية الاستيراد

وبناء:

صناعة وطنية

معرفة محلية

استقلال تقني تدريجي

3) تمكين الشباب

من خلال:

التعليم التطبيقي

ريادة الأعمال

دعم الابتكار

4)البدء من الممكن لا من المثالي:

تركيا لم تنتظر الكمال، بل بدأت بالإمكانات المتاحة، وطوّرتها بالتدرج.

خاتمة: الدرس الأكبر من التجربة التركية:

التجربة التركية الحديثة تؤكد حقيقة كبرى:

أن النهضة لا تصنعها الموارد وحدها، بل تصنعها الرؤية، والإرادة، وحسن الإدارة.

وأن العالم العربي والإسلامي، بما يملكه من طاقات بشرية وثروات وإرث حضاري، قادر على إحداث نهضته الخاصة، متى تحرر من الجمود، وآمن بالتغيير، وامتلك الشجاعة للبدء.



المراجع العربية :


١)فيروز أحمد ،صنع تركيا الحديثة

ترجمة: سلمان داود الواسطي

الناشر: بيت الحكمة (قسم الدراسات الاجتماعية)، بغداد، 1995،

المركز الديمقراطي العربي

٢)رضا هلال، السيف والهلال: تركيا من أتاتورك إلى أربكان،دار النشر: دار الشروق، القاهرة.

٣)صادق عبد الله الشيخ عيد العلاقات التركية-القطرية: السياسة الخارجية والأمن الإقليمي (2002–2020)

الدوحة.

٤)مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل، العدد 3، أيلول/سبتمبر 2018م.

إرسال تعليق

0 تعليقات