رسالة من سقراط بقلم د حسين اسماعيل 🇪🇬

 

رسالة من سقراط




من مجموعة مقاهي العقل وحوارات الروح


بقلم  د حسين اسماعيل  🇪🇬


لم أكن أتوقع أن يبدأ صباحي بتغيير ما، فكل ما أردته هو لحظة هدوء مع قهوتي التي أصنعها بعناية كطقس صغير يحميني من ازدحام اليوم. كان البرد خفيفًا لكنه حاضر، والشمس تحاول الالتفاف حول الستارة الرمادية كأنها تتلصص على مزاجي المتقلب.

 جلست إلى مكتبي، أمام كشكولي المكدس بملاحظات مادة الفلسفة السياسية، لكن الحروف كانت تنفر من عيني، تتناثر على الصفحة كأنها لم تعد تؤمن بنفسها، شعرت أنني أمسك بأفكار ميتة، أسماء لها ضجيج في الكتب، لكن الحياة من حولي لا تلتفت إليها                                                                                              عند العاشرة، طرقة خفيفة، أقرب إلى لفتة خجولة منها إلى طرق حقيقي. فتحت الباب وتوقعت أحد زملاء السكن، لكني لم أجد إلا ظرفًا بنيًا وحيدًا، مائلًا قليلًا كأنه تردد قبل أن يستقر على الأرض. أحسست بشيء غير مريح، ربما الفضول أو الخوف أو رغبة غير مفهومة بأن يكون هذا الظرف يخصني فعلًا، كان اسمي مكتوبًا بخط متأنٍ، خط لم أره من قبل، بلا طابع ولا عنوان 


حين فتحت الورقة الصفراء، شعرت بنفَسٍ قديم يخرج من الزمن ويقترب مني:

إلى من يبحث عن الحكمة… من سقراط"


توقفت. تجمدت كما لو أن حرارة الغرفة اختفت فجأة. في البداية اتهمت هناء فورًا، فهي لا تفوّت مناسبة للمزاح بسقراطيّاتي، لكنها لا تتقن هذا الخط، ولا تعرف كيف تكتب بهذه الجملة الإنجليزية القديمة التي تكاد تشبه لغة العصور الوسطى                                                                                   


بدأت أقرأ الرسالة، ومع كل سطر شعرت أن الكلمات لا تُقرأ بل تُلقَى في داخلي ببطء وثقة:**

الحقيقة لا تُعطى جاهزة… هي تُولد من رحم السؤال"**

وأثناء القراءة، بدا لي أن الهواء من حولي صار أكثر هدوءًا، وأن الصوت الذي يتشكل في رأسي أطول نَفَسًا من صوتي، وكأنه رجل يتحدث من وراء قرون


وفي تلك اللحظة، كان هناك مشهد موازٍ يحدث حولي: 

كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة والنصف، والشارع تحت نافذتي بدأ يمتلئ بضجيج الطلبة المتأخرين عن محاضراتهم، وأصوات سيارات تقطع الطريق بسرعة، وشخص يبيع قهوة من عربية متنقلة يتجادل مع أحد الزبائن. العالم يمضي في صخبه، وأنا أمسك بورقة تقول لي إن البداية الحقيقية ليست في الجامعة بل في السؤال **


في المساء، جلست أمام المرآة، أتأمل وجهي الذي بدا كأنه يشيخ خلال ساعات، كأني حملت سؤالًا أكبر من عمري. كانت الجملة التي تقول: "لا تخشَ أن تقول لا أعرف

تتردد داخلي بقوة غريبة، كأنها ليست مجرد نص، بل اعتراف لم أكن شجاعًا بما يكفي لأقوله لنفسي


في اليوم التالي، حين استيقظت متأخرًا قليلًا، وجدت ظرفًا ثانيًا موضوعًا في نفس المكان، كأن واضعه يعرف جدول نومي. هذه المرة كانت الرسالة أقصر، لكنها كانت حادة مثل مشرط:

"اعرف نفسك. قبل أن تسأل عن العالم، اسأل عنك أنت"


وفي المشهد الموازي لذلك اليوم، كنت أقف في طابور المقصف في الجامعة، أحمل ساندويتش جُبن لا طعم له، وأراقب وجوه الطلبة الذين يتحدثون في كل شيء إلا أنفسهم. كل ما كان يشغلني هو سؤال الرسالة:**

ما الذي أخشاه؟

ولدهشتي وجدت الإجابة تظهر في وظيفتها الحقيقية لأول مرة: أنا أخشى أن أُكتشف، أن أبدو أقل ذكاءً مما يظن الناس، أن أدرس الفلسفة لأجل الدرجات لا لأجل نفسي


ومع كل رسالة تصلني خلال الأسابيع التالية، كانت أحداث حياتي اليومية تصبح مرآة لها

عندما وصلتني رسالة تتحدث عن محاكمة سقراط، كنت في المعمل العملي، وحدثت مشادة بين أستاذ المادة وأحد الطلاب، مجرد سوء فهم بسيط لكنه كشف كم يمكن أن تتضخم السلطة حين لا تُسأل، وكم يمكن أن يصبح السؤال نفسه خطرًا أو إزعاجًا

حين قرأت رسالته عن الهرب من السجن ورفضه له لأن العدل أثمن من الحياة، كنت يومها أعود لبيتي متأخرًا بعد جدال طويل مع صديقة مقربة اتهمتني بأنني "أوافق الجميع فقط لأتجنب المشاكل". حينها فهمت معنى كلمة اتساق، وسبب أن سقراط رأى أن الهرب خيانة للذات قبل أن يكون خيانة للقانون


وفي كل مرة كنت أفتح الظرف البني، كنت أسمع ضجيج الحياة من حولي يخف، كأن الرسالة تبني غرفة صغيرة من الصمت حول نفسي. كانت الأسئلة تتراكم داخل صدري مثل حصى صغيرة في جيب قميص، لا تُرى لكنها تثقلني


حتى جاء مساء المطر ذلك، حين وجدت الظرف الأخير. كنت منهكًا، مبللًا من الركض تحت السماء، وصوت الرعد في الخلفية يشبه طرقًا على باب العالم. فتحت الرسالة فوجدت تلك الجملة التي شعرت أنها الخلاصة:

الحياة بلا فحص لا تستحق أن تُعاش… لكن تذكّر، الفحص ليس غاية، بل وسيلة لتكون أكثر صدقًا


وحين قرأت السطر الأخير:

"الآن جاء دورك أن تسأل"

لم أرفع رأسي هذه المرة؛ ظللت جالسًا أمام النافذة، أتابع قطرات المطر وهي تصطدم بالزجاج بنظام دقيق يشبه إيقاع سؤال يُطرح عليّ ولا أملك الهرب منه


ومنذ ذلك المساء، لم يعد سقراط مجرد حكيم من الماضي. صار أشبه بصوت هادئ يرافقني في الممرات الضيقة، وفي جلسات المذاكرة الطويلة، وفي لحظات الشك التي تتسلل إلى أفكاري قبل النوم. صار همسًا يسألني كل مرة أقبل فيها فكرة بلا تفكير:

"هل أنت متأكد أنك تعرف؟"


وكلما سمعت صوته، كنت أشعر أنني بدأت أخيرًا أكتب رسالتي أنا، لا الرسائل التي وصلتني

إرسال تعليق

0 تعليقات