سقوط من سطح الأرض
بقلم ايمان عوض مصر
في فضاء واسع وقفت بأعلى نقطة
وحيدة تتحدى الجاذبية
كانت ترتدي فستانا أسود من الجلد الفاخر مكشوف الأكمام
و له جونلة منفوشة من التول الأسود الحريري الملمس
كأنها غيمة سوداء تحيط بها بوقار يليق بالمشهد كأنه صمم له
تحت قدميها تقاطعت الأسلاك الحديدية الرفيعة
وهي تتحسس تلك الأسلاك بأطراف أصابعها
و بحرص شديد تختار موطئ خطاها ببراعة
لا تعرف لماذا لم تخشى السقوط
كانت واثقة تمام الثقة، وفي يدها عصا لامعة
صولجانا معقوفا يقود خطاها الواثقه وسط هذه المسارات العديدة المتشعبة
و كالنحلة الرشيقة تحط على كل سلك تتقاطع مع نهاية الآخر فتسلكه و تغير مسار قدماها العارياتان
ترمقها العيون في الاسفل بذهول وإعجاب لعبورها هذا الطريق الخيطي الملتوي بكل هذا الثبات
ومن بين العيون لمعت عينا ذئب لم يكن بشريا قط
كانت نظراته تراقبها و هي فوق الأسلاك بذهول جائع كاد يفقد توازنها
فاشاحت بنظرها ثانية لكننها لم تجده
كأن صورة ذاك الذئب تبخرت و تلاشت كسراب
يقولون ان المخاوف تنبع من داخلك
فهل كان طيفا عابرا لما إذن تخاف؟
لكنن هناك لمحت عيناه وسط عبث الضجيج
نعم عيناه التي كانتا بوصلة
تنظر إليها فتبعث في نفسها الثقة
يرفع رأسه بإعجاب لا يوصف
فيرمقها بمزيج من الفخر والإعزاز
الذي منحنها شعورا مطلقا بالأمان
لم تشعر بالخوف
فرغم هذا العلو الشاهق إيمانه بها كان أقوى من وهن الأسلاك
وكنسيم الريح شبكت عصاها بتلك الأسلاك وانسدلت متجاوزة الجمع لتهبطا قدميها بثبات مذهل خلفهم
هبطت كريشة مستعيدة ثباتها واقفة على كرسي مرتفع كأنه عرش
نظرت إلى عيناه لآخر مرة فلمحت توكيدا لانتصارها
نعم انتصرت ولكن أين عيناه أين الأمان
ثم وجدت نفسها واقفة وحدها بعد أن انتهى العرض وانفض الجمع من حولها وغلقت الأبواب
أين عيناة
تركها غارقة في نشوة روحها التي تنبعث من نظراته قبل أن يغادر المكان ليتركها تغفو فوق سرير مخملي
طرقات على الباب الخشبي الذي كان مواربا
جعلتها استفاقت
و توالت الطرقات و امتزج فيها صوت التوسل
بعواء ذئب يرجو الدخول
.. أهو ثانية؟
في تلك اللحظة
اعتراها خوفا لم تذقه وهي معلقة في السماء
خوف من أن تسقط رغم أنها واقفة على الأرض
انتفضت واقفة وركضت بخفة باحثة عن مفتاح الباب لتحكم غلقه لكنها شعرت بثقل جمدها
حاولت أن تجد الأمان الذي ضاع
اين مفتاحها
اين بوصلتها
حاولت أن تستجمع شجاعتها لكن الخفة التي كانت تتحرك بها لم تلبث أن تحولت لثقل صخرة من وقع الخوف والصدمة
كيف لمن استطاعت عبور الأسلاك الوعرة
أن يربكها طرق باب في عتمة الليل؟
مازلت لا تقوى على الحراك
حاولت جاهدة لكن عبثا
تسمرت مكانها فلقد تنبهت أن الباب مفتوحا على مصراعيه
هل تسرب للداخل؟
هي لا تراه الان لكنها تسمع همس عويله وتشعر أنه يتربص بها
ثقل الخوف قيدها
فعلمت معنى الخوف
أين عيناه التي حررت خوفي؟
الآن تخشى الحركة
و يبقي لحظة إنتظار القدر
والمصير


1 تعليقات
روعه
ردحذف