السحر الأسود بقلم داليا أحمد بكري ج 3 ديلي جراف عربية

 

السحر الأسود   

بقلم 

داليا أحمد بكري 




لم يكن الليل هذه المرة مجرد غياب للضوء بل كان سؤال ممتد فوق المدينة كأن السماء انحنت لتصغي لسر لم يكتمل ميلاده بعد سارت بخطوات بطيئة لكنها شعرت أن الطريق يعاد تشكيله تحت قدميها وأن الظلال التي اعتادت أن ترافقها لم تعد تحرسها بل تراقبها بصمت غامض كأنها تنتظر منها قرار لم يولد بعد كانت النوافذ مغلقة والهواء ساكن على نحو غير مألوف والمدينة تبدو كنسخة مؤجلة من ذاتها كأن الزمن نفسه توقف ليمنحها لحظة عبور

وحين وصلت إلى الساحة القديمة لم تفاجأ بظهور الدائرة بل شعرت وكأنها كانت تعرفها منذ زمن بعيد لم ترها بوضوح من قبل لكنها أحست بندائها الخافت كانت سوداء لكنها لم تكن سواد مألوف بل أشبه بفكرة لم تكتمل بعد  ما انحنت تنظر داخلها فلم  ترى وجهها بل رأت عجائب لا تنتهي طرق لو سلكتها لكانت الآن في أماكن أخرى ونسخ متناقضة منها جميعها تنتهي إلى النقطة ذاتها عندها هى فقط وقتها  فهمت أن السحر الأسود ليس قوة تخيف بل باب يربك اليقين والفكر بداخلها 

اتسعت الدائرة بلا صوت وظهر ممر يبتلع الضوء كأنه يصنع ليل جديد داخل الليل تراجعت الظلال عند المدخل كأنها تعترف لها  بأن ما بعد هذا النقطة  لا يمكن أن يرافقها الظل تقدمت و دخلت وحدها وكل خطوة كانت تنزع من داخلها شيئا لا تعرف اسمه لم يكن خوفها حاضرا بل كان هناك شعور أقرب إلى التخلي كأنها تترك نسختها القديمة خلفها دون وداع أو خوف 

في نهاية الممر ظهر الباب بلا شكل محدد كأنه يتغير كلما حاولت رؤيته مرة يقترب ومرة يبتعد وكأنه لا يريد أن يفهم وضعت يدها عليه فشعرت أنه ليس  بابا  كاي باب بل حد فاصل بين سؤالين انفتح ببطء لتجد نفسها في فضاء بلا ملامح أرض بلا اتجاه وسماء بلا حدود وفي المنتصف شعلة صغيرة بالكاد ترى لا تضيء بقدر ما تحاول أن تتذكر الضوء

اقتربت منها فسمعت همسا لا يأتي من الخارج بل من داخلها من يصل إلى هنا لا يختار النهاية بل يختار كيف يبدأ من جديد عندها أدركت أن اللحظة أثقل من أن تفسر وأن الاختيار ليس بين نور وظلام بل بين أن تبقى كما كانت أو أن تصبح شيئا لا تعرفه بعدها  مدت يدها نحو الشعلة ثم توقفت فجأة وكأنها أدركت أن النور لا يقترب منها بل يترك لها  المجال  ليصل

وفجأة كبرت الشعلة لا لتطرد العتمة بل لتكشف لها  أن العتمة لم تكن غائبة يوما بل كانت تحيط بكل شيء منذ البداية للحظة واحدة شعرت أن المكان كله يختفي وأنها تقف خارج ذاتها قبل أن تعود المدينة ببطء ويبدأ النهار في التشكل كأن شيئا لم يحدث

لكن شيئا كان قد حدث بالفعل فالشوارع بدت أوسع مما تتذكر و الوجوه  مألوفة وغريبة في آن واحد وكأن الواقع نفسه قد تغير في صمته شعرت أن الظلال لم تختف بل اندمجت في الضوء وأن السحر الأسود لم يكن تجربة عابرة بل طريقة جديدة لرؤية العالم من حولها 

وقفت عند الأفق لتدرك فجأة أن المدينة ليست سوى دائرة أخرى وأن الممر لم يغلق وأن الباب قد يظهر في أي لحظة وربما لم تكن الرحلة عبورا من الظلام إلى النور بل اكتشاف أن كليهما مجرد انعكاس لصوت واحد  داخلها وأن من يدخل الدائرة لا يعرف أن يخرج منها أبدا بل يتعلم فقط كيف يمشي خارجها بينما هو لا يزال في داخلها






إرسال تعليق

0 تعليقات