أيمن الشريف يكتب لامبو مات ،الموريات، 5 حصريا ديلي جراف عربية

 

لامبو مات !

من سلسلة مقالات الموريات  ح 5




جريدة : ديلي جراف عربية 


المقال : ٥ 



" الضباب كان بات ليلتها ع الإزاز


كانت القريه اللى مات فيها الخواجة لامبو


نايمه ع الجليد


فى الصباح


اتحركت جوه المطابخ الصحون و الخدامات


و ابتدا الدق ف محلات الحديد.."


فى التاسعة من صباح يوم العاصفة ، التى اطلت علينا بوجهها مع بدايات شهر ابريل ٢٠٢٦ ، وقفت انا الى جوار زملاء عملى ، نحتسي قهوتنا امام ابواب طوارئ المستشفى ، مذيبين شعورنا بالاحتياج للراحة _ كباقى خلق الله فى ارضه _ داخل اقداح البن و لفافات التبغ .. نأمل فقط ان يمر يومنا بسلام ، و هو ما لا يحدث فى العادة حين تعمل فى مكان كقطعة من لهيب مستعر طوال الوقت ..


و فى خلال دقائق ، لم تتعد اصابع اليد ، سمعت اصوات سارينة الاسعاف المدوية ، تنذر افراد الامن على البوابة العملاقة كي يسرعوا فتحها ، و تنذرنا نحن العاملين على خط النار ، انها تحمل فى احشائها مصاب من الدرجة الاولى .. و هذا غريب ، لانى لم اتلق اى انذارا من الاسعاف قبل نقل المصاب ، و لم اتلق انذارا منهم باذا كانت الحالة تحتاج لغرفة انعاش مجهزة ام لا .. 


و قبل ان تتاح لنا الفرصة كى نمعن التفكير ، توقفت السيارة ، و بدأ رجال التمريض فى فتح باب سيارة الاسعاف لسرعة التعامل مع المريض .. و احد الاطباء قام مسرعا بالقفز فوق ترولى المريض ، تحسس علاماته الحيوية ، و لم ينطق ، بل بدون مقدمات قام ببدء عمليات الانعاش القلبي الرئوى .. و هنا فهم الشباب كافة ان هناك امل .. الكل بدء عمله كخلية نحل ، و الكل يعرف دوره و مكانه .. 


الا شخصا واحدا فى هذا الموقف ، تسمر فى مكانه ، و حدق فى ذهول ، و لم يتسطع النطق بكلمة واحدة ..


هذا الشخص .. هو انا ..


هذا لان المريض المسجى امامى .. 


كان أسامة ..


او كما اعرفه من طفولتى ، باسم (اسامة المجنون) .


" charge , 200 , clear "


دوى صوت الصاعق ، و انتفض جسد اسامة الهزيل ، الا ان عقلي انتفض ايضا بعدة من ذكريات لا حصر لها .. و كأنما عقلي يرفض الصورة التى يراها له مسجاة امامه ، و يتمسك بذكراه كما كان على قهوة (عم اسماعيل) ، ممسكا بلى الشيشة كأنما يقبض على العالم ..


لامبو كان شاعر مغنى


يمشى و الجيتار عشيقته


يلمسه


يملا ليل تسبانيا بفصوص الأمانى و الأغانى البرتقانى


عمو لامبو قضا عمره فى الحارات و الخمارات


كان يغنى للعيال المقروضين


كان يغنى للأرامل و الغلابه و السكارا


السكارا اللى يعودو من جحيم الحر فى المنجم


السكارا اللى المحاجر حوّلتهم زيّها


ازمه و حجاره


اذكر كان عم اسماعيل ، العجوز الطيب خفيف الظل ، يهاوده ، و ينصت له و يحاوره بما يشاء ان يسمع كذلك ، ثم يقدم له الشاى و حجر المعسل دون ان ينقده ثمنها ابدا ... و كنوع من انواع الاعتذار عن الصداع ، كان ينظر لى و يقول : غلبان و بتاع ربنا ، بس مش مؤذى يا دكتور 


لم يدرك العجوز الطيب اننى كنت اتوق لتلك اللحظة منذ صغرى .. فمنذ المدرسة الابتدائية و كان اسامة اسطورة فريدة من نوعها ، وصلت الاشاعات فيها الى الحد الذى كان الاطفال يقسمون بالله العظيم ان اسامة قد جن حين رأى زوجته تخونه يوما ، و قتلها هى و عشيقها ، و اكل اللحم و العظام و الجلود و الشعر ، و لم يترك منهم شيئا حتى لا تستدل الشرطة على جثتيهما .. 


للاطفال خيال اكثر رعبا من اكثر الادباء خيالا .. اجزم بهذا يقينا ..


دعك من ان كل هذا الاساطير كانت محض كلمات اطفال ، فكان لها اثر بالغ الرعب على نفوسنا ، و كنا نفر من امامه كفرار الغزلان امام الاسد .. لكن هذا الرجل فى الحقيقة لم يتزوج قط ، و عاش وحيدا طوال عمره ، و لو تم تشخيص حالته مبكرا و حظى الرعاية المناسبة لما تطورت حالته الى فصام كامل و تام ابدا .. 


راقبت اسامة ، ضاما فخذيه كى تصعد قطة الشارع لتستكين فوقها مرتاحة .. يشير مرة واحدة فتصعد القطة كأنما فهمته منذ اللحظة الاولى .. و على مدار سنوات اخذت ألملم اطراف الكلمات فى صراعه بين و بين نفسه ..


" again , clear ! "


الخواجه لامبو ماشى


دخل الخمارا


حيوه السكارا


تاره بالضحكه و بالڤيزيتا تاره


غنى لامبو و برد أسبانيا مزنهر مناخيره


"يا غلابه


سيرو فى الأرض العريضه


و السعو النسمه بطواحين الهوا


فيه فى قلب الظلم حتة نجمه بيضا


الشغل مش حاجه ضايعه فى الهوا


برد أسبانيا استوا..."


كان اول ما شد انتباهى لحديث اسامة ان للرجل شيئا مبهما وسط الحديث ، فيه خيط ما لا تستطيع ادراكه .. فى ذات مرة اخبر المترددين على القهوة بضرورة جمع الحبوب و الماء و تخزينها قبل ٢٠٢٨ ، و ان اذا ما تذكروا حديثه و استفادوا منه ، عليهم ان يدعوا له بالمغفرة .. مرة سمعته يحدث نفسه عن الصاروخ الذى سيصيب المسجد الاقصى و سيدمره ، و ستكون هذه بداية ام المعارك .. كان حديثه غامض غير مفهوم دوما .. كانت له نظرية مذهلة عن ان الهاتف الجوال هو المسيخ الدجال ذو العين الواحدة الذى يدخل البيوت كافة و يختلف لديه مفهوم الزمن ، و ان منه يوما ما ستكون النقود بعد ذلك ، و كيف انه سيلد جساسته برنامجا يتحدث اليك و تتحدث اليه .. 


يحدث نفسه عن بروتوكولات الخفاء ، و يصرخ بالدعاء للرئيس السيسي ، الذى صار يملك عصا سيدنا موسى الان و تابوت العهد بأمر من الله و تكليف ، و كيف يداعبهم على نار هادئة ، و ان الله اخبره بالميعاد .. 


حينها كان يسأله الناس ساخرين : ميعاد القبض يا أس أس ؟ 


حدثنى اسامة ذات مرة ان التراكوة و الفرس سيبيعوننا فى ام المعارك ، و حدثنى عن البقر الاحمر فى مزارع امريكا الذى يسمن و تجرى التجارب عليه بكثافة ، و الشق الذين يحاولون فتحه فى السماء كى يدخل منه الملاك خاصتهم لانه (محشور فى السما الواسعة) _على حسب قوله _.


" البقاء لله .. اكتبوا التقرير يا شباب .. " 


هكذا قالها صديقي استشارى الطوارئ لرجال التمريض .. 


فى العام ٢٠٢٢ اختفى اسامة و لم نجد اثرا له .. سألنى عنه سمعة الطيب كي ما ابحث فى المستشفيات و الثلاجات بحكم عملى ، فلم اجد له اثر .. مع الوقت نسيناه تماما ..


و اليوم وجدت اسامة امامى من حيث لا ادرى .. بعد اربع سنوات كاملة .. فارقته الحياة نتيجة سيارة صدمته و فرت هاربة .. 


"قيدوه مجهول الهوية "


هنا نطقت لأول مرة .. خرج صوتى محشرجا كأنما اشواك الغصة فى حلقى : 


" اسمه اسامة "


كنت على حافة الانهيار و البكاء ، و قد ادرك زملائي هذا مما اثار دهشتهم ، خرجت مسرعا من غرفة الانعاش لاحاول استنشاق بعض الهواء النقى ، و ما ان فتحت باب الغرفة ، حتى وجدت احدى قطط الشوارع واقفة ، تنظر لى و لعيناى التى احتشد فيها الدمع ..


لا اعرف كيف دخلت الى هذه المنطقة ، ولا كيف غفل عنها كل الحضور من امن و عاملين و مترددين على المكان .. و الناس بين جيئة و ذهاب من امامها و هى ثابتة .. 


ثم اصدرت مواءا خافتا ،، و رحلت ..


تاركة اياى اجهش بالبكاء .


ايمن الشريف


القصيدة للعظيم عبد الرحمن الابنودى ، رحمة الله عليه 

باسم 

الخواجة_لامبو








إرسال تعليق

0 تعليقات