الرضا و ترك التباهي
بقلم د كامل عبد القوى النحاس 🇪🇬
خطبة الجمعة: 5 يونيو 2026
أولاً: مدخل التأسيس.. لماذا يضطرب الإنسان المعاصر؟
أيها الإخوة المؤمنون، إنَّ مأساة الإنسان اليوم لا تكمن في قلة ما يملك، بل في طبيعة ما يسكن قلبه.
لقد تحول قلب الإنسان في هذه الحياة من الاطمئنان إلى المقارنة، ومن القناعة إلى اللهاث المحموم خلف صورة وهمية لا تنتهي.
إننا نعيش اليوم في عصر الاستعراض، حيث أصبح الإنسان يسعى لأن يُرى أكثر مما يسعى لأن يعيش.
حين يفقد الإنسان الرضا، فإنه لا يصبح فقيراً في ماله فحسب، بل يُصاب بفقر الطمأنينة؛ فهو قلقٌ دائم، ولو كان يملك خزائن الأرض.
وحين يعيش التباهي، فإنه لا يزداد رفعةً ومكانة، بل يغدو أسيراً لنظرات الناس، مسجوناً في قفص التوقعات، يلهث وراء بريقٍ زائف يطفئ نور قلبه. إن الداء الذي ينخر في عظام مجتمعاتنا اليوم هو عبودية المظهر، التي أنستنا عبودية المعنى.
ثانياً: الميزان القرآني..
لقد جاء القرآن ليضع يده على جرح الإنسان الغائر، فينتشله من صراع الأوهام إلى رحاب السلامة مع الله.
يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الحديد:
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
هذه الآية تؤسس لميزان نفسي متكامل:
في مواجهة الفقد:
لكيلا تأسوا على ما فاتكم.
الأسى ليس مجرد حزن، بل هو انهيار داخلي حين يظن المرء أن ما فقده هو أساس حياته. القرآن لا يمنع الحزن البشري الطبيعي، لكنه يمنع الكسر الداخلي الذي يوقف الإنسان عن المسير.
في مواجهة النعمة: ولا تفرحوا بما آتاكم.
هنا نتحدث عن فرح الكِبْر؛ حين يظن الإنسان أن ما عنده هو دليل استحقاق ذاتي وتفوق على الآخرين، فيتحول المال أو الجاه أو النجاح من نعمة إلى أداة لتعظيم الذات.
في مواجهة النفس: والله لا يحب كل مختال فخور.
المشكلة ليست في النعمة ذاتها، بل في النفس التي تحمل النعمة؛ فالمختال هو الذي يستعلي في مشيته وهيئته، والفخور هو الذي يملأ قلبه إعجاباً بنفسه، وكأنما هو المالك الوحيد لمصيره.
ثالثاً: القاعدة النبوية.. كسر الطبقات النفسية
لم يكتفِ الإسلام بالنهي عن الكبر، بل وضع قاعدة تضمن سلامة النسيج الاجتماعي، فقال النبي ﷺ:
إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ
التواضع كمنهج اجتماعي:
التواضع هنا ليس مجرد خفض صوت أو سلوك ظاهري، بل هو منع بناء طبقات نفسية بين الناس. إن التفاخر يخلق مسافة بين القلوب، ويجعل المجتمع ساحة مقارنة دائمة، بينما التواضع يزيل هذه المسافات، ويجعل القيمة في الإنسانية لا في المظاهر.
ويضع النبي ﷺ المعيار الحقيقي للقيمة في قوله:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَلوانكم وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.
إننا اليوم نقيم الناس بناءً على صورهم وممتلكاتهم، بينما الله يقيمنا بناءً على نقاء القلب واستقامة العمل. قد يرى الناس نجاحاً خارجياً باهراً، بينما القلب فارغ من السكينة، وقد يرى الناس بساطة الحال، بينما القلب ممتلئ يقيناً ورضا.
رابعاً: الرضا ليس استسلاماً.. بل هو تحرر
كثيرون يخلطون بين الرضا وبين التواكل أو ضعف الطموح. والحقيقة أن الرضا هو أرقى درجات التحرر من عبودية النتائج.
الرضا: أن تعمل بجد واجتهاد دون أن تنكسر إذا تأخرت النتائج.
الرضا: أن تسعى في الأرض، دون أن تفقد توازنك النفسي إذا سبقك غيرك أو قُدّر له ما لم يُقدّر لك.
الدعاء النبوي:
وأسألك الرضا بعد القضاء.
هذا هو قمة العقل؛ لأن الإنسان لا يملك منع الأقدار، لكنه يملك منع الانهيار بعدها.
الرضا هو المظلة النفسية التي تحمي الإنسان من صدمات الحياة.
خامساً: التباهي في واقعنا المعاصر.. أ
ن تعيش للآخرين
في زمننا، لم يعد التباهي كلاماً فقط، بل صار نمط حياة:
المقارنة القاتلة: أصبحنا نمد أعيننا إلى ما مُتّع به الآخرون،
وهو عين ما حذرنا منه القرآن بقوله:
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ.
إن كل لحظة تقضيها في مقارنة حياتك بحياة غيرك هي لحظة تسرقها من رصيد رضاك وسلامك الداخلي.
خديعة المشاهدة:
صار الفرد يعيش حياته وكأنه في مسرح، يهتم بما يراه الناس أكثر مما يراه هو في أعماق نفسه.
مثال ذلك: شخصان؛ أحدهما بسيط في بيته لكنه ينام قرير العين لأنه يمتلك قناعة داخلية، وآخر يملك الفاره من كل شيء لكنه يعيش في قلق دائم لأن قلبه يلهث خلف كل جديد عند جيرانه أو أقرانه. الأول يعيش الحقيقة، والثاني يعيش الوهم.
سادساً: الخاتمة.. استرداد الذات
أيها الإخوة، إن الرضا يمنحك حرية داخلية لا يمكن شراءها بكل أموال الدنيا، والتباهي يسلبك هذه الحرية ولو ملكت كل شيء. إننا مدعوون اليوم لإعادة صياغة حياتنا:
توقف عن العيش للمظاهر:
عش لنفسك، ولربك، ولأثرك الصالح.
ابدأ رحلة القناعة:
اقنع بما في يدك، واشكر الله عليه، فكلما نظرت إلى من هو دونك، عرفت قدر نعمة الله عليك.
حارب روح المقارنة:
تذكر أن كل إنسان يخوض معركة لا تعرف عنها شيئاً، فلا تقارن ظاهر حياتك بباطن حياة الآخرين.
اللهم اجعلنا ممن رضي بقضائك، فاطمأنت نفوسهم، وسكنت قلوبهم، وطهرت ألسنتهم من الفخر، وأجسادهم من الاختيال. اللهم اجعلنا أغنياء بك عمن سواك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.




0 تعليقات