مسافر عبر الزمان المقابر
بقلم عبد السميع المصري
جلست مع نفسي أحادثها، وأسألها سؤالًا لم أجد له إجابة:
لماذا أنا حزين؟
قلبي يئن من الألم، وأنا وحيد وسط عالم مليء بالبشر. هل أصبحت أبحث عن العزلة؟ أم أن كثرة التفكير جعلتني أهرب من الجميع لأجلس مع نفسي؟
كان أمامي كوب من الشاي، وبجواري ورقة وقلم.
ظللت أتأمل القلم طويلًا…
هل أنا مستعد للكتابة؟
مددت يدي، أمسكت بالقلم، وأغمضت عيني.
وفجأة…
شعرت وكأن شريط حياتي بدأ يعود إلى الوراء.
عامًا بعد عام…
وسنة بعد سنة…
حتى توقف عند يوم لا يمكن أن أنساه.
كان يوم العيد، وكنت ابن العاشرة.
بعد أن صلينا صلاة العيد، بدأت العائلة تتوافد إلى بيت والدي.
كان أبي كبير العائلة، وكان الجميع يحترمونه ويستمعون إلى كلامه.
امتلأ البيت بالضحكات، والأطفال يركضون في كل مكان، والكبار يتبادلون التهاني، ونحن نفرح بالعيدية ونمرح طوال اليوم.
كنت طفلًا مثل باقي الأطفال…
لكن أبي لم يكن يراني طفلًا.
كان ينظر إليَّ بنظرة لم أنسها حتى اليوم.
نظرة تقول إن هناك شيئًا ينتظرني.
وفي نهاية اليوم، ناداني أبي.
جلست أمامه، فقال لي بهدوء:
— أريد منك أن تكون هادئًا، وتكون عينك على الجميع. هؤلاء ضيوفنا، وهم في حمايتنا، ونحن جميعًا في خدمتهم.
ثم نظر في عيني وقال:
— أريدك أن تكون رجلًا… وأن تتحمل المسؤولية. أنا لا أضمن أن أعيش طويلًا، وفي يوم من الأيام ستكون أنت المسؤول عن إخوتك وعن العائلة. وسأجعل الكبير قبل الصغير يسمع كلامك.
كنت أستمع إليه وأنا لا أفهم كيف يمكن لطفل في العاشرة أن يحمل كل هذه المسؤولية.
ثم قال لي جملة ما زالت عالقة في ذاكرتي:
— وأول شيء سأفعله معك… أن أميت قلبك، حتى لا تخاف أبدًا.
ثم أضاف:
— استعد غدًا، ستذهب معي لزيارة أحد أصدقائي.
فرحت جدًا.
كنت سعيدًا لأن أبي سيأخذني معه، وسألته عن صديقه.
فكل أصدقاء أبي كنت أناديهم:
يا عم.
في صباح اليوم التالي، ارتديت ملابس العيد وانتظرت.
كنت أراقب أبي وهو يفطر ويشرب الشاي، وأعد الثواني والدقائق حتى يتحرك.
وأخيرًا قام.
ركبنا الأتوبيس من إمبابة في اتجاه الدراسة.
وفي الطريق، كان أبي يحكي لي عن كل مكان نمر به.
لم يكن مجرد طريق بالنسبة إليه…
كان كل شارع وكل منطقة تحمل عنده حكاية.
كنت أستمع إليه وأتعلم أن الأماكن ليست مجرد مبانٍ وطرقات، بل لكل مكان ذاكرة وحكاية.
وصلنا إلى الدراسة، ومشينا قليلًا، ثم ركبنا سيارة كبيرة بصندوق خلفي ومقاعد للركاب.
تحركت السيارة.
وبدأت تمر بين المقابر.
نظرت حولي…
مقابر على الجانبين.
صمت ثقيل.
وطريق غريب بالنسبة لطفل في العاشرة.
بدأ قلبي ينبض بسرعة.
كنت أتخيل أن يخرج عفريت من إحدى المقابر في أي لحظة.
وفجأة…
أشار أبي إلى السائق:
— قف هنا.
توقفت السيارة.
نزلنا.
لم أعترض.
ولم أسأل أبي لماذا نزلنا.
كنت فقط أسير بجواره.
كنت أريد أن أمسك يده من شدة الخوف، لكنني تذكرت كلامه:
أنت رجل.
فواصلت السير.
دخلنا مكانًا بين المقابر، حتى وصلنا إلى مقبرة مكسورة لا يوجد لها حائط كامل.
قال أبي:
— اقرأ الفاتحة.
بدأت أقرأ.
مرة…
ثم مرة أخرى…
ثم مرة ثالثة.
لكن صوتي كان يرتجف.
كنت خائفًا جدًا.
ثم قال أبي:
— عندما يموت الإنسان، نأتي به إلى هنا، وبعد سنوات يصبح جسده عظامًا بلا لحم.
ثم أمسك يدي.
ظننت أنه سيغادر.
لكنه أخذني إلى الجانب الآخر من المقبرة.
وهناك…
رأيت ما لم يكن عقل طفل في العاشرة مستعدًا لرؤيته.
عظامًا وبقايا أجساد متحللة.
توقفت الدنيا من حولي.
شعرت أن الأرض تدور بي.
كاد جسدي يسقط من شدة الخوف.
لكن أبي أمسك يدي بقوة.
وقال:
— هكذا سنكون جميعًا بعد الموت.
لم أستطع الرد.
لم أعرف ماذا أقول.
كنت فقط أنظر أمامي.
ثم بدأ أبي يتحرك.
وسرت بجواره.
الغريب أنني بعد لحظات لم أعد أشعر بشيء.
وكأن عقلي أغلق كل الأبواب.
نسيت لماذا جئت إلى هنا.
ونسيت خوفي.
ونسيت حتى أنني كنت منذ دقائق أرتجف.
عدنا إلى المكان الذي تركنا فيه السيارة، وركبنا من جديد.
وبعد وقت قصير وصلنا إلى بيت صديق أبي.
استقبلنا عمي بابتسامة، لكنه ما إن رأى وجهي حتى قال:
— ماله الولد؟ شكله مش طبيعي… هو مخطوف ولا إيه؟
ابتسم أبي وقال:
— لقد شاهد المقبرة المفتوحة ورأى الجثث.
نظر عمي إلى أبي باستنكار وقال:
— يا راجل! الولد صغير!
فرد أبي بكل ثقة:
— لا… هو رجل.
ثم أضاف:
— هو المسؤول عن إخوته وعن باقي العائلة.
كنت أسمع الكلام وكأنه يأتي من مكان بعيد.
أحضر لي عمي كوبًا من اللبن، وظل يربت على يدي ويتحدث معي حتى بدأت أعود إلى طبيعتي.
لكن قلبي ظل ينبض بقوة.
وكان السؤال الوحيد الذي يدور في رأسي:
كيف سأعود مع أبي؟
كنت أخشى أن يطلب مني النزول مرة أخرى بين المقابر.
لكن الحمد لله، قرر عمي أن يعود معنا بسيارته.
جلست في المقعد الخلفي.
تحركت السيارة.
وعندما مررنا بجوار المقابر، نظرت من النافذة.
لكن هذه المرة كان المشهد مختلفًا.
كنت أرى المقابر تتحرك وتتغير أمام عيني.
أشياء كثيرة كنت أتخيلها…
ظلال…
أشكال…
وأشباح صنعتها مخيلتي الصغيرة.
كانت السيارة تسير بسرعة، وأنا أراقب المقابر وهي تختفي خلفنا.
شيئًا فشيئًا…
بدأت أشعر أنني أعود إلى عالمي.
إلى البيت.
إلى العائلة.
إلى طفولتي.
لكن قلبي…
لم يعد كما كان.
كان ينبض بشدة، وكأنه يريد أن يخبرني أن ما حدث اليوم لم يكن مجرد رحلة مع أبي.
لقد كان درسًا قاسيًا في الحياة والموت والمسؤولية.
وفجأة…
بدأ المشهد يبتعد.
المقابر اختفت.
السيارة اختفت.
أبي اختفى.
ووجدت نفسي من جديد أمام كوب الشاي، والورقة، والقلم.
فتحت عيني.
عدت إلى الحاضر.
لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي أغمض عينيه منذ دقائق.
فهمت شيئًا…
ربما أبي كان يريد أن يعلمني الشجاعة بطريقته الخاصة.
وربما كان يريد أن يجعلني أواجه خوفي مبكرًا، لأنه كان يعرف أن الحياة لن تمنحني دائمًا فرصة للاختباء خلف أحد.
لقد كنت طفلًا في العاشرة…
لكنه كان يراني رجلًا يحمل مسؤولية يوم لم يأتِ بعد.
نظرت إلى القلم مرة أخرى.
وابتسمت.
لقد كنت أبحث عن سبب حزني…
لكنني وجدت نفسي أبحث عن أبي.
وجدت زمنًا كاملًا عاد إليَّ للحظات، ثم اختفى.
وهنا أدركت أن السفر عبر الزمان لا يحتاج إلى آلة ولا إلى طريق… أحيانًا تكفي ذكرى، أو رائحة، أو كوب من الشاي، أو قلم تضعه بين أصابعك وتغمض عينيك.
وهكذا…
عدت من رحلتي.
لكن السؤال بقي معي:
هل كان أبي يريد أن يعلمني ألا أخاف من الموت؟
أم كان يريد أن يعلمني كيف أعيش؟
ربما لن أعرف الإجابة أبدًا…
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
هناك أشخاص يرحلون من حياتنا، لكنهم يتركون بداخلنا صوتًا لا يموت.
وصوت أبي…
ما زال حتى اليوم يقول لي:
كن رجلًا… ولا تخف.

0 تعليقات