قامة لا تغيب.. محمود حافظ- رائد الحركة المسرحيه بقلم إيمان عوض

 

قامة لا تغيب.. محمود حافظ- رائد الحركة المسرحيه




بقلم إيمان عوض 


بين أروقة الابداع المسرحي ، ثمة قامات ارتكز عليها المسرح و كانت من ركائز بنيتها ، واساسا لصلب عمادها غير طالبة مجدا ولا ظهورا 


فكانت النهضه الفكرية و المسرحيه هي غايتها و مطلبهم الأوحد، لكن خشبة المسرح تعرفهم جيدا و لا تفتأ أن تنساهم..


 ربما لأنهم  مصدر الابداع الحقيقي أو أنهم الدليل و المرشد  الذي حرك الفنانين لينطقوا بلسانهم  و يأدوا حركاتهم لايصال رسالته الفنيه من وراء الستار  


و من أهم تلك القامات  اسم قد يمر على الكثيرين دون توقف، لكنه في سجلات التاريخ الفني وتاريخ المسرح الوطني أستاذا مؤسسا لبنية علم التمثيل المسرحي ، و فنان شامل قضى حياته القصيرة في توصيل رسالة الفن النبيلة و النهوض بالحركة الفنية 


 و الفكرية ...


انه الفنان القدير والأستاذ الجامعي محمود حافظ - 




الذي افنى عمره في خدمة الفن، ليصنع أجيالاً من المبدعين، ممارسا عطاءه بصمت، مستحقاً بجدارة أن تستعاد سيرته كأحد أعمدة الفكر والإبداع.


 لقد كان قائدا شامخاً في الحركة المسرحية وأحد الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى للمسرح القومي في مدينة المنصورة، وقد خلدت ذكراه بإطلاق اسمه على أحد شوارعها الرئيسية و المسرح القومي بالمنصورة، و الذي يعد  ثاني أكبر  مسرح قومي أنشأ 


حيث بني على التراث اليوناني  مكان المحفل الماسوني في المنصورة ، فبعد اغلاق المحفل الماسوني عام 1962 بعد الوحدة يين مصر و سوريا 


 توجه الفنان محمود حافظ إلى محافظ المنصورة بطلب إحالته لمسرح قومي 


لقد كان الفنان محمود حافظ يمتلك رؤية فلسفية عميقة لمادة الحركة المسرحية، اذ يرى أن الجسد هو الأداة الأولى للممثل، وأن أي حركات عشوائية على المسرح تمثل ضجيجاً بصرياً 


 لذا أسس منهج الحركه المسرحيه ليدرس في معهد الفنون المسرحيه كمادة أساسية


فكان يدرس لطلابه كيفية تقليل الحركة لزيادة التأثير، وكيف يمكن لزاوية ميل الرأس أو إيقاع الخطوات أن تحكي قصة كاملة دون نطق كلمة 


 هذا النهج الأكاديمي الصارم هو ما جعل طلابه في المعهد العالي للفنون المسرحية يصفونه بصانع الممثل الواعي، إذ لم يعلمهم الحرفة فقط كأستاذاً تقليدياً  بل علمهم كيف يحترمون خشبة المسرح كقدس الأقداس، مستخدماً تقنيات متقدمة مثل إخراج الصوت من الحجاب الحاجز لترسيخ رنين أصواتهم.


أما خلف الكاميرا، فقد امتدت إسهاماته لتشمل العمليات الفنية المعقدة التي تتطلب ذكاءً  فائقاً، عرف خلالها بكونه المايسترو في إدارة الكواليس


فعندما تولى مهمة المخرج المنفذ في مسرحية مدرسة المشاغبين، لم يكن الأمر عملاً إدارياً روتينياً، بل كان إدارة ميكانزميه حقيقية تطلبت الموازنة بين طاقات عمالقة الفن في مرحلة صعودهم وضبط الإيقاع الدرامي لضمان ألا تتحول الكوميديا إلى فوضى، ليكون المرجعية التي يلجأ إليها الممثلون لضبط أدائهم


 وفد  نقل تجربته الأكاديمية في الحركة المسرحية إلى زوايا الكاميرا واهتم بديناميكية الحركة داخل الكادر السينمائي، لتصبح تجربة بصرية متكاملة تعتمد على الظلال والزوايا المدروسة وتحفة درامية تُدرس في كيفية بناء التشويق 


اشتهر الفنان  الراحل بمبدأ الاستحقاق قبل الحضور، فلم يمثل قط في أعمال لم يكن هو جزءاً من كيانها الإنتاجي أو الإشرافي، رافضاً مبدأ الممثل النجم الذي يفرض شروطه، ومفضلاً دائماً العمل كجندي معلوم في كواليس الإنتاج 


و استكمالا لنشر رسالة الفن و الابداع فقد شارك في  تأسيس استوديوهات عجمان عام 1977 في الإمارات،  لنقل التكنولوجيا الفنية المصرية من إضاءة وصوت ومونتاج إلى المحيط العربي، مؤمناً بأن الفن المصري لابد أن يظل المرجع لكل إبداع عربي.


 وتنوعت أدواره التمثيلية لتجسد ملامح شخصيته الوقورة، حيث برع في أداء شخصيات ذات ثقل وهيبة مثل الدكتور الجامعي الحازم في عيلة الدوغري، ورئيس مجلس الإدارة المسؤول الأرستقراطي في ثلاثة في قطار، وأندريه ديربيو في جمال الدين الأفغاني، فضلاً عن مشاركاته في الخديوي إسماعيل، من أجل ولدي، الطريق إلى القدس، دعوة للحب، الجزار الشاعر، شجرة الحرمان، مفتش المباحث، والفيلم السينمائي فارس المدينة


و قد أبدع في المسلسل البوليسي النادر وتوالت الأحداث  عام 1982 و الذي حقق نجاحا جماهيريا منقطع النظير لدرجه ان الشوارع كانت تكون هادئه تماما و شبه خاليه  وقت إذاعة المسلسل 


و قام بعمل49 مسرحية من أهم تلك المسرحيات مسرحيه الشرارة من تأليف زكي عمر، وهي مسرحية شعرية، ألحان أحمد متولي، إخراج محمود حافظ، وقدمها المسرح القومي ، و التي صُنفت كمسرحية شعرية غنائية توثق مرحلة العبور وانتصارات الجيش المصري التي كانت تتكلم عن سبع شخصيات عاصرت احداث الحرب ،يحكي كل منهم قصته مع النكسة 

 و كان الفنان محمود حافظ و المؤلف زكي عمر يقوموا بتعديل احداث المسرحية طبقا لتفاصيل الحرب المتجددة  مثل معركة رأس العش، و بحر البقر و لقد تم إدراج نصها ضمن موسوعة مسرحيات حرب أكتوبر التابعة للمركز القومي للمسرح بمصر


وهي من المسرحيات التي تم عرضها على الجبهة للجنود في حرب اكتوبر بعد أن أضاف المؤلف زكي عمر و الفنان محمود حافظ نهاية بانتصار المصريين في حرب 1973، و التي رفعت من معنويات الجنود على الجبهه وقت عرضها  ..

ولا يمكن نسيان بطولته المشرفة في تلك المسرحية  وهو ما جعله ينال نجمة سيناء من الرئيس السادات تكريماً لصدقه الوطني


رحل الفنان محمود حافظ في 13 مارس 1993 تاركاً إرثاً لا تقدره إلا القلوب التي تعي معنى التضحية، لتكرمه الدولة بعد وفاته في مهرجان 100 سنة مسرح


إن استعادة سيرة هذا الرمز العظيم هي استرجاع لرموز المسرح و الانتاج الفني و استلهاما لتذكير الأجيال بأن من أفنى عمره صانعاً للمبدعين يستحق أن يخلد في ذاكرة الوطن كأحد أعمدة الفن الحقيقي و ليخطو المبدعين على سير المختارين ليمصي التاريخ قدما إلى الامام و ليتسلم راية الرسالة و الابداع الفني لجيل جديد يعي جيدا ذلك المبدأ و ليرتقي و يسمو وهو يتطور





إرسال تعليق

0 تعليقات