اللواء أركان حرب جمال حماد في عيون التاريخ بقلم سامي المصري

 

اللواء أركان حرب جمال حماد في عيون التاريخ




بقلم سامي المصري


هناك رجال يمرون في صفحات التاريخ كما تمر الايام، وهناك رجال تفتح لهم صفحات التاريخ ابوابها، لانهم لم يكونوا مجرد شهود على الاحداث، بل كانوا جزءا من صناعتها وكتابة تفاصيلها.


ومن بين هؤلاء يظل اسم اللواء اركان حرب جمال حماد حاضرا في الذاكرة المصرية، باعتباره واحدا من رجال العسكرية المصرية الذين ارتبطت اسماؤهم بمرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، وباعتباره ايضا مؤرخا وكاتبا حمل ذاكرته العسكرية الى صفحات الكتب، فترك شهادة تستحق القراءة والتأمل.


رجل من زمن التحولات الكبرى


ولد جمال حماد عام 1921، وتخرج في الكلية الحربية، ثم بدأ حياته العسكرية داخل مؤسسة كانت مصر في ذلك الوقت تقف على ابواب مرحلة جديدة من تاريخها.


لم تكن الحياة العسكرية بالنسبة اليه مجرد رتبة او موقع، بل كانت مدرسة صنعت فيه الانضباط والدقة والقدرة على قراءة الاحداث.


ومع مرور السنوات، اقترب من دوائر الضباط الاحرار، وشارك في الاحداث التي سبقت ثورة يوليو 1952، ليصبح اسمه مرتبطا بواحدة من اكثر اللحظات تأثيرا في التاريخ المصري الحديث.


الرجل الذي كتب البيان الاول


حين تذكر ثورة 23 يوليو، تتجه الذاكرة الى اسماء كبيرة صنعت المشهد، لكن خلف تلك الاسماء كان هناك رجال عملوا في صمت، وكان لهم دور في صياغة اللحظة التاريخية.


وكان جمال حماد واحدا من هؤلاء الرجال.


ارتبط اسمه بكتابة البيان الاول للثورة، ذلك البيان الذي خرج الى المصريين في الساعات الاولى من صباح 23 يوليو، معلنا بداية مرحلة جديدة.


ولم تكن قيمة البيان في كلماته وحدها، بل في اللحظة التي خرج فيها الى الشعب، لحظة كانت مصر فيها تنتظر تغييرا كبيرا ولا تعرف بعد كيف ستكتب الساعات القادمة من تاريخها.


من الميدان الى صفحات التاريخ


تميز جمال حماد بصفة نادرة، فقد جمع بين شخصية العسكري وعقل المؤرخ.


فبعد سنوات طويلة قضاها في المؤسسة العسكرية، لم يكتف بما عاشه وشاهده، بل حاول ان يحول ذاكرته الى وثائق وكتب وشهادات.


كتب عن الثورة والجيش والمعارك والحياة السياسية، وترك مؤلفات تناولت مراحل مهمة من تاريخ مصر العسكري والسياسي.


وهنا تكمن اهميته الحقيقية.


فالعسكري الذي عاش الاحداث من داخل المؤسسة ليس كمن يقرأ عنها بعد عشرات السنين، والمؤرخ الذي يحمل ذاكرة شاهد العيان يستطيع ان يقدم تفاصيل لا توجد دائما في الكتب الرسمية.


محافظا وعسكريا ومؤرخا


لم تتوقف مسيرة جمال حماد عند الحياة العسكرية، فقد تولى ايضا مسؤوليات مدنية، من بينها منصب محافظ كفر الشيخ ثم محافظ المنوفية.


وكان انتقاله من المؤسسة العسكرية الى العمل العام دليلا على تعدد الادوار التي لعبها في حياته، لكنه ظل في كل هذه المراحل محتفظا بعلاقته بالتاريخ والكتابة والتوثيق.


وبمرور الوقت اصبح اسمه مرتبطا بذاكرة جيل كامل عاش مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر.


شهادة رجل عاش داخل الحدث


ربما تكون اكبر قيمة تركها جمال حماد هي شهادته.


فالتاريخ لا يصنعه القادة وحدهم، ولا تحفظه الكتب الرسمية وحدها، بل تصنعه ايضا ذاكرة الرجال الذين عاشوا اللحظة من الداخل.


وقد تحدث جمال حماد في كتبه وحواراته عن ثورة يوليو ورجالها، وعن تفاصيل مرحلة كانت مليئة بالصراعات والتحولات.


وقد تختلف القراءات حول بعض ما رواه، وقد يختلف المؤرخون في تفسير بعض التفاصيل، لكن ذلك لا يلغي اهمية شهادته باعتبارها جزءا من الذاكرة الحية لتلك المرحلة.


جمال حماد في عيون التاريخ


حين ننظر اليوم الى مسيرة اللواء اركان حرب جمال حماد، لا نراه فقط باعتباره ضابطا من ضباط الجيش المصري، ولا فقط باعتباره واحدا من رجال ثورة يوليو.


بل نراه رجلا حاول ان يحفظ ما عاشه من احداث، وان يترك للاجيال القادمة نافذة تطل منها على زمن بالغ التعقيد.


رحل جمال حماد في عام 2016، لكن الرحيل لا يعني دائما نهاية الحكاية.


فبعض الرجال يرحلون وتبقى اسماؤهم في الكتب، وبعضهم يرحلون وتبقى شهاداتهم شاهدة على عصرهم، وبعضهم يصبحون جزءا من الذاكرة الوطنية التي تعيد الاجيال قراءتها كلما ارادت ان تفهم كيف تشكل الماضي.


وجمال حماد واحد من هؤلاء.


كلمة اخيرة


في عيون التاريخ، لا تقاس قيمة الرجل بعدد المناصب التي شغلها، ولا بعدد الاوسمة التي حملها، ولكن بما تركه وراءه من اثر.


واللواء اركان حرب جمال حماد ترك اثرا عسكريا وتاريخيا وادبيا، وجمع في مسيرته بين البندقية والقلم، وبين حياة الميدان وشهادة المؤرخ.


ولهذا سيظل اسمه حاضرا كلما فتحت صفحات ثورة يوليو، وكلما بدأ الحديث عن رجال الجيش المصري الذين وقفوا في قلب واحدة من اكثر مراحل التاريخ المصري اثارة وتأثيرا.


فالتاريخ لا ينسى من عاشوا داخله...


والرجال الذين حملوا ذاكرة الوطن لا تموت سيرتهم بموت اصحابها.







إرسال تعليق

0 تعليقات