بروفسير كامل النحاس يكتب مودة و رحمة #حصريا ديلى جراف و ديلى نيوزويك أرابيان

 

مودة و رحمة




2- كبسولات في معنى القوامة وحسن التبعل


بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس


الزواج... الآية التي تحفظ امتداد الحياة


في سورة الروم، يضعنا القرآن الكريم أمام تسلسل إلهي يبهر العقول ويأخذ بالقلوب؛ يبدأ بذكر أصل الوجود الإنساني:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾،


ثم يتبعها مباشرة بآية الزواج:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾،


ليتلوها بآية الاتساع والتنوع:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾.


وهنا يتجلى هذا الترابط البديع؛ فخلق الإنسان من تراب هو بداية الوجود، وانتشاره هو امتداد هذا الوجود، لكن هذا الامتداد لم يتركه الله هملاً، بل جعل الزواج الجسر الذي تعبر عليه الحياة الإنسانية من جيل إلى جيل.


ولكن... كيف كان الزواج في ذاته آية؟


تأمل هذا التحول العجيب؛ غريبان ينشأ كل منهما في عالم، لكل منهما طباعه وتجربته وحياته الخاصة، ثم يجمعهما ميثاق، فإذا بالمسافات تضيق، والقلوب تتآلف، ويصبح الغريب قريبًا.


تترك الزوجة سكنها القديم ودفء أهلها وعشيرتها، لتمضي إلى رجل كان بالأمس غريبًا عنها، فإذا به يصبح من أقرب الناس إلى قلبها. ويترك الزوج استقلاله وانفراده، ليأنس بامرأة تصبح شريكته في يومه وليله، وفي فرحه وحزنه، ومسؤوليته وحلمه.


لا يعود الأمر مجرد جوار في مكان، بل اشتراكًا في حياة: بيت واحد، وأيام تتعاقب، ومسؤوليات تُحمل، وأبناء يُربَّون، وأزمات تُواجه، وفرح يُقتسم، وحزن يُحتمل.


فكيف تحولت الغربة إلى ألفة؟ وكيف يغدو غريب الأمس قريبًا إلى هذا الحد، يحزن الإنسان لحزنه، ويسعد بنجاحه، ويؤلمه فراقه؟


هنا تظهر الآية.


فالزواج لا يجمع شخصين تحت سقف واحد، بل يؤلف بين حياتين، ويختصر المسافات، ويصنع من أنا وأنت حياةً جديدة اسمها: نحن.


لقد جاءت آية الزواج في قلب هذا السياق؛ تحفظ امتداد الحياة بين آية الخلق وآية التنوع.


فالزواج ليس مجرد اجتماع رجل وامرأة، ولا عقدًا لتنظيم الحياة فحسب، بل آية من آيات الله في التآلف والتكامل واستمرار الحياة.


ولهذا كان جديرًا أن يقول الله عنه:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾.






إرسال تعليق

0 تعليقات