المسرح المصري بين الأمس واليوم
الحلقة الثامنة | مسرح الأقاليم.. حين وصلت الخشبة إلى قلب الصعيد
لم يكن تاريخ المسرح المصري حكرًا على القاهرة، فخارج العاصمة كانت هناك خشبات صغيرة صنعت حكايات كبيرة، وكان مسرح الأقاليم واحدًا من أهم روافد الحركة المسرحية المصرية، خاصة في صعيد مصر.
ففي مدن الصعيد وقراه، أصبح المسرح مساحة لاكتشاف المواهب، وتقديم قضايا المجتمع، وإتاحة الفرصة لشباب آمنوا بأن الفن لا يحتاج إلى أضواء العاصمة حتى يصنع أثرًا.
ومن التجارب التي تستحق أن تُروى تجربة فرقة قوص المسرحية، التي ارتبطت بذاكرة أجيال من المسرحيين في قوص وجنوب الصعيد، وقدمت أعمالًا وفتحت الطريق أمام مواهب متعددة.
ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه التجربة: فتحي سلول، عبدالعاطي فاوي، المخرج ياس الضوي، عادل أبو المجد، منصور خير، محمد إبراهيم، وإبراهيم الشباط، إلى جانب أسماء أخرى شاركت في مسيرة الفرقة عبر مراحلها المختلفة.
ولم تكن قيمة هؤلاء في مجرد الوقوف فوق الخشبة، وإنما في إيمانهم بأن المسرح عمل جماعي؛ يبدأ بفكرة يكتبها المؤلف، ويمنحها المخرج رؤيته، ويحولها الممثل إلى حياة أمام الجمهور.
ومن قلب هذه التجربة يأتي أيضًا سيد علي عبدالله، ممثلًا ومخرجًا وسيناريست، شارك في مسيرة المسرح، وارتبط اسمه ببطولة عدد من العروض، من بينها «الكراسي» و«كفر التنهدات» و«اليهودي التائه».
وهكذا كان مسرح قوص جزءًا من صورة أكبر لمسرح الأقاليم في الصعيد؛ مسرح صنعه فنانون ربما لم تكن تحت أيديهم الإمكانات الكبيرة، لكن كانت لديهم الرغبة والإصرار والحب.
فالممثل كان يأتي إلى البروفة بعد يوم عمل، والمخرج يحمل النص ويبحث عن أفضل طريقة لتحويله إلى عرض، والجميع يعملون بروح الفريق، لأنهم كانوا يؤمنون أن المسرح حياة قبل أن يكون مهنة.
ولذلك فإن الحديث عن مسرح الأقاليم ليس حديثًا عن مسارح بعيدة عن المركز، بل عن مدارس حقيقية للفن خرجت أجيالًا، وعلّمت أبناءها الانضباط والعمل الجماعي، وحفظت على خشبتها ملامح المجتمع الصعيدي وأحلامه وهمومه.

0 تعليقات