أنا بشرٌ مثلكم: قراءة تحليلية في قصيدة أماني الصاوي عن النبي عيسى ع
بقلم: منال الشربيني 🇪🇬
تستند قصيدة "أنا بشرٌ مثلكم" للشاعرة أماني الصاوي إلى المشهد القرآني المهيب ليوم القيامة، حيث يقف النبي عيسى عليه السلام مخاطبًا ربّه دفاعًا عن نفسه من دعوى التأليه التي نسبها إليه بعض أتباعه، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ (المائدة: 117).
اعتماد آية قرآنية عنوانًا للنص، كما ورد في النسخة الأولى للقصيدة، قد يثير إشكالًا فنيًا وفق الضوابط النقدية الحديثة؛ فالآية القرآنية نصّ مقدّس غير قابل للتأويل الفني بالمعنى الجمالي المعتاد، ومن هنا، فإن اقتراح عنوان بديل مثل "أنا بشرٌ مثلكم"، المستوحى من قوله تعالى:
﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ (الكهف: 110)،
يمنح القصيدة مدخلًا تأويليًا أكثر اتساقًا مع الخطاب العقائدي الذي تتبناه.
تتماهى القصيدة مع الخطاب السني السلفي، خاصة في تأكيدها العقائدي على نفي الألوهية عن عيسى، وترسيخ مفهوم "العبد" كهوية وجودية خالصة. تظهر هذه المفارقة بين الألوهية والعبودية في بيت مثل:
وقالوا: "إلهٌ"، فقلتُ: "حذارِ،
أنا عبدُ ربّي، وما أنا سوى!"
وهنا نجد استعادة مباشرة للخطاب القرآني عن عيسى، حيث يقول:
﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه﴾ (الزخرف: 59).
استخدمت الشاعرة لغة فصيحة قوية، غلب عليها الطابع التقريري والجزالة اللفظية، ضمن بنية شعرية عمودية، على بحر الوافر أو الكامل، وهو ما يشكل قالبًا كلاسيكيًا متينًا لطرح المعاني العقائدية بعيدًا عن الزخارف البلاغية المفرطة.
تحضر نظرية جوليا كريستيفا حول التناص بقوة في هذا النص، خاصة ما يمكن تسميته بـ "التناص الديني" بين القرآن الكريم والإنجيل (Kristeva, 1980). إذ تعيد الشاعرة إنتاج الآيات القرآنية المتصلة بعيسى عليه السلام في سياق شعري وجداني، منها:
"يقول له الكون كن فيكون" – في إشارة إلى قوله تعالى:
﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ (البقرة: 117).
"بروحٍ من الله" – من قوله:
﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه﴾ (النساء: 171).
"وبرسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد" – وهو اقتباس من قوله:
﴿ومبشّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: 6).
"سجّدتُ له طفلًا" – في إشارة لقوله:
﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا﴾ (مريم: 30).
اعتمدت الشاعرة رموزًا مثل "الطهر"، "الماء"، و"الندى"، باعتبارها دوالًا تعبيرية عن الرحمة الربانية، والحياة المتجددة، في سياق يقدّم عيسى عليه السلام باعتباره "آية في الخلق"، و"رسالة للسلام"، بلا شبهة لاهوتية.
كما شكل لفظ "الكون" رمزًا للطبيعة الخاضعة لأمر الله، في تناغم مع العقيدة الإسلامية التي تنفي التجسد وتؤكد وحدة الوجود الإلهي دون حلول.
يحضر الأسلوب العقدي الوجداني في القصيدة تأثرًا بمدرسة ابن القيم الجوزية، خاصة قصيدته "النونية" التي تبسط العقائد الإسلامية في قالب شعري مؤثر (ابن القيم، د.ت).
كما تتقاطع مع كتابات الإمام الغزالي في عرض الحقائق العقدية بأسلوب وجداني فلسفي، حيث يجتمع المنطق العقلي مع التجربة الروحية في نسق متماسك (الغزالي، 1980).
مجمل القول، تعد القصيدة من النماذج القليلة في الشعر العربي الحديث التي تقدم صورة وجدانية لنبي قرآني لما يزل الجدل حوله قائمًا،عيسى بن مريم، دون اللجوء إلى خطاب المناظرة أو التبكيت، بل بمنطق الهدوء والتسليم. هي قصيدة توحيد، لا وعظ، وصوت إيمان لا جدال، ونموذج راقٍ لما يمكن تسميته "شعر العقيدة"، الذي يجمع بين الجمالية الدينية والعمق الوجداني.
هنا أسجل بعض قراءةّ، ولربما وجد متلقّ آخر قراءات اُخَر.
المراجع
ابن القيم الجوزية. (د.ت). الكافية الشافيةl في الانتصار للفرقة الناجية (النونية). تحقيق: علي بن محمد الدخيل الله. دار عالم الفوائد.
الغزالي، أبو حامد. (1980). إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة.
Kristeva, J. (1980). Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. Columbia University Press.
القرآن الكريم (مصدر أساسي).
(Surat Al-Ma'idah: 117; Al-Baqara: 117; Al-Nisa': 171; Al-Saff: 6; Maryam: 30; Al-Zukhruf: 59; Al-Kahf: 110).

0 تعليقات