استقرار الأسرة أساس لصلاح الفرد والمجتمع
بقلم د كامل عبد القوى النحاس 🇪🇬
أيها المسلمون:
إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة فانظر إلى أسرها، وإذا أردت أن تعرف حال أسرها فانظر إلى مقدار ما بقي فيها من دين ومودة ورحمة.
فالأمم لا تُبنى من القصور ولا من المؤسسات، وإنما تُبنى من البيوت، والأسرة هي التربة التي ينبت فيها الإنسان، فإن صلحت التربة صلح النبات، وإن فسدت فسد وإن زُيّنت مظاهره.
ولهذا اعتنى الإسلام بالأسرة عناية عظيمة، لأنها المصنع الأول للإنسان، والحصن الأول للقيم، والمدرسة الأولى التي تُصاغ فيها الأخلاق والاتجاهات.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الروم: 21]
أيها المؤمنون:
إن أول لبنة في استقرار الأسرة هى حسن الاختيار.
فالزواج في الإسلام ليس لحظة إعجاب، بل مشروع عمر وصناعة أجيال.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«تُنْكَحُ المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» ( متفق عليه )
فالدين هو الضمان الحقيقي لاستقامة الحياة، لأنه يحفظ عند تغير الأحوال وتقلب الطباع.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»
(الترمذي)
فجمع بين الدين والخلق، لأن الدين يمنع التفريط، والخلق يمنع الأذى.
أيها المسلمون:
ثم بيّن القرآن غاية الزواج فقال:
﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
والسكن هو الطمأنينة والراحة والاستقرار.
ولم يقل: لتسكنوا معها،
بل قال: ﴿إِلَيْهَا﴾
إشارة إلى أن البيت ليس مجرد مشاركة جسدية، بل سكن نفسي وقلبين مطمئنين.
فإذا فقد البيت السكينة فقد جوهره، ولو امتلأ أثاثًا ورفاهية.
ثم قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فالمودة حب يظهر في المعاملة، والرحمة إحسان يبقى عند الضعف.
والمودة لحظات القوة، والرحمة لحظات الضعف.
ولهذا لا تقوم الأسرة على الحب وحده، بل على الرحمة حين يضعف الحب، وعلى الصبر حين تضيق النفوس.
ومن هنا فليس البيت الناجح هو الذي يخلو من الخلاف، بل الذي يحسن إدارة الخلاف دون أن تضيع المودة أو تُهدم الرحمة.
أيها المسلمون:
ومن أعظم أسباب استقرار البيوت أن يعرف كل طرف ما له وما عليه.
قال تعالى:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 228]
فليست الحياة الزوجية أخذًا فقط، ولا عطاءً فقط، بل توازن وعدل.
وكثير من المشكلات تبدأ حين ينشغل كل طرف بحقوقه وينسى واجباته.
وقد أمر الله الرجال بحسن المعاشرة فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
والمعروف يشمل الكلمة الطيبة، والرحمة، والاحترام، لا مجرد النفقة.
ومن الحكمة أن الإنسان لا يُحسن للناس ويُسيء لأهله، ولا يلين للغريب ويقسو على أهل بيته.
وقال تعالى:
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 19]
فالحياة لا تُبنى على تتبع العيوب، بل على ستر الزلات، والنظر إلى مجموع المحاسن.
أيها المسلمون:
وكما جعل الإسلام للمرأة حقوقًا، فقد جعل للزوج حقوقًا تحفظ استقرار الأسرة، ومن أعظمها الطاعة في المعروف.
قال تعالى:
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء: 34].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت»
(رواه أحمد)
وهذه الطاعة ليست إذلالًا ولا إلغاءً للشخصية، بل نظام لحفظ البيت من الفوضى، وقيدها الشرع بالمعروف، فلا طاعة في معصية الله.
ومن اللطائف أن البيت لا يستقر إذا تعددت القيادات فيه، كما لا تستقيم السفينة بربانين.
أيها المسلمون:
ومن هنا نفهم معنى القوامة.
قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]
فليست سلطة استبداد، بل مسؤولية ورعاية وقيام على شؤون الأسرة.
فالرجل راعٍ ومسؤول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»
(البخاري ومسلم)
فالقوامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ومحاسبة قبل أن تكون امتيازًا.
أيها المسلمون:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أروع مثال في ذلك، فقد قال:
«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»
(رواه الترمذي)
وكان في خدمة أهله، كما قالت عائشة رضي الله عنها:
«كان في مهنة أهله»
(رواه البخاري)
فلم تكن عظمته في القسوة، بل في الرحمة، ولا في التسلط، بل في الحلم.
أيها المسلمون:
ومن أخطر ما يهدد البيوت في زماننا ضعف الصلة بالله، وكثرة المقارنات، وتضخم الحقوق، والتدخلات الخارجية، وضعف الحوار، وغياب التغافل.
فالبيت الذي يغيب عنه ذكر الله يفقد السكينة.
والبيت الذي يكثر فيه التتبع يفقد المودة.
والبيت الذي ينعدم فيه الحوار تتحول فيه القلوب إلى جدران صامتة.
ومن أراد السعادة الزوجية فليتعلم فن العفو، وفن الصبر، وفن التغافل، فإن الحياة لا تستقيم بلا خطأ، ولكنها تستقيم بالحكمة في التعامل مع الخطأ.
أيها المسلمون:
إن الأسرة ميثاق غليظ، وأمانة عظيمة، ومصنع للأجيال.
فإذا صلحت صلح الفرد، وإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وإذا صلح المجتمع قويت الأمة واستقامت.
فاتقوا الله في بيوتكم، وأقيموها على الإيمان قبل العادة، وعلى الرحمة قبل الخصومة، وعلى الإحسان قبل المطالبة بالحقوق.
واعلموا أن البيت لا يبنى بالمال وحده، ولا يحفظ بالجمال وحده، وإنما يبنى بالإيمان، وتحفظه المودة، وتظله الرحمة، ويستقيم بالعدل والإحسان.
نسأل الله أن يصلح بيوتنا، ويؤلف بين قلوبنا، ويجعل أسرنا بيوت سكينة ومودة ورحمة.



0 تعليقات