الروائى محي الدين محمود حافظ:
في “طلسم مانيتون” تنجحون في إقامة معمار روائي يتقاطع فيه التاريخي بالميتافيزيقي، والوثائقي بالاعترافي، في مغامرة سردية تتجاوز الحكاية إلى مساءلة الوعي ذاته. استدعاؤكم لشخصية مانيتون، في سياق العصر البطلمي وعهد بطليموس الثاني، لا يبدو مجرد خلفية تاريخية، بل هو بوابة رمزية لفكرة الخلود بوصفها هاجسًا إنسانيًا قديمًا يتجدد بأقنعة مختلفة؛ من حجر الفلاسفة إلى وهم “النقاء العقدي” الذي يسقط في هاوية العنف.
قوة النص تكمن في هذا التوازي الدرامي بين لفائف الأثر المختومة بالشمع ولفائف الذاكرة المختومة بالدم. فالبطل لم يعد مجرد شخصية هاربة، بل هو ساحة صراع أنطولوجي بين هوية أكاديمية عقلانية وهوية مؤدلجة متطرفة، وبين ماضٍ حالم وحاضر مأزوم. لقد أحسنتم توظيف المونولوج الداخلي ليكشف انكسار الذات دون تبريرها، وليجعل من سؤال الذنب والندم سؤالًا مفتوحًا على القارئ.
سردكم يتسم بإيقاع متوتر يخدم الحالة النفسية، وإن كان في بعض المواضع يقترب من المباشرة الخطابية، إلا أن حرارة التجربة تمنحه صدقًا دراميًا واضحًا. كما أن المزج بين جغرافيا جبل درنكة والفضاء التاريخي القديم يمنح الرواية بعدًا طباقيًا ثريًا، حيث يصبح المكان معادلًا رمزيًا للتيه الروحي.
هذا العمل، في تقديري، لا يطرح لغزًا أثريًا بقدر ما يطرح لغز الإنسان حين ينفصل عن قيم الرحمة، ثم يُدعى إلى مواجهة ذاته عبر التاريخ. إنكم تكتبون رواية مساءلة، لا رواية إدانة فحسب، وتفتحون أفقًا لتأمل المصير حين يختار الإنسان طريق العنف ثم يوقظه الضمير على حافة الخراب.
عمل واعد بمآلات فكرية عميقة، يزاوج بين التشويق والتفكير، ويمنح السرد العربي مساحة جديدة للحوار بين الماضي والحاضر.
#طلسم_مانيتون
#السرد_والتاريخ
#الفلسفة_والرواية
#نقد_أدبي
الدكتور محمد أبوقرون
الكاتب والناقد





0 تعليقات