ما وراء العالم حوار مع عفريت بين الواقع والخيال
د أحمد إبراهيم حنفي
في ليلة من ليالي الشرق المسكونة بالهواجس، حيث يختلط دخان المقاهي بضجيج النشرات الإخبارية، جلستُ وحيداً أفتش في أوراقي القديمة. فجأة، تصاعد من زاوية الغرفة بخار أزرق، وتجسد أمامي كائن غريب الأطوار؛ لم يكن مخيفاً بقدر ما كان "ساخراً". بادرته بالسؤال: "من أنت؟"، فأجاب بابتسامة صفراء: "أنا عفريت السياسة، أعيش في الفراغات التي تتركها الخطابات الرسمية، وأتغذى على الوعود التي لا تتحقق".
هنا بدأ حوار لم يكن بين واقع وخيال فحسب، بل كان تشريحاً لواقعنا السياسي المعاصر بلسان كائن لا يخشى الرقابة.
أولاً: ديمقراطية "الفانوس السحري"
سألت العفريت: "لماذا تبدو الديمقراطية في بلادنا مثل قصص الجن؟ نسمع عنها ولا نراها؟"
ضحك العفريت حتى اهتزت جدران الغرفة وقال:
"المشكلة ليست في المصباح، بل في المارد الذي يخرج منه. أنتم تظنون أن صناديق الاقتراع هي عصا سحرية ستحول الواقع إلى جنة في ليلة وضحاها. الديمقراطية الحقيقية هي عقد اجتماعي، بينما ديمقراطية 'الفانوس' هي أن تنتظر من الحاكم أن يحقق لك معجزاتك الشخصية مقابل صمتك. في عالمنا (عالم الجن)، نحن نحترم القوانين لأنها 'طلاسم' لا يمكن كسرها، أما أنتم، فتقلبون القوانين لتناسب الطالع والنازل."
ثانياً: حروب الظلال (الجيوسياسية الجديدة)
انتقلنا بحديثنا إلى الصراعات الدولية، فسألته عن سر الفوضى التي تضرب العالم. هز رأسه وقال:
"العالم اليوم لا يحكمه الساسة ببدلاتهم الأنيقة، بل تحكمه 'خوارزميات العفاريت'. الصراع لم يعد على الأرض فقط، بل على العقول. نحن كعفاريت ننبهر بذكائكم في اختراع 'الحروب الهجينة'. تستطيعون تدمير دولة دون إطلاق رصاصة واحدة، فقط ببث الشائعات وتحريك الأشباح الإلكترونية (الذباب الإلكتروني). في الماضي، كان الاستعمار يحتاج إلى جيوش، اليوم يحتاج فقط إلى 'شيفرة' برمجية وسيطرة على الشاشات."
ثالثاً: الشعوب بين "الاستكانة" و"الاستفاقة"
قلت له بمرارة: "ولماذا تشعر الشعوب دائماً بأنها مسحورة؟ تائهة بين ماضٍ تمجده وحاضر تخشاه؟"
أجاب العفريت بجدية مفاجئة:
"هذا هو 'سحر التاريخ'. السياسيون البارعون هم 'سحرة' يجيدون توجيه أنظاركم إلى الخلف بينما يسرقون مستقبلكم من تحت أقدامكم. الشعوب تستكين عندما يتم إقناعها بأن التغيير مستحيل، أو أن 'الغول' بالخارج ينتظر لحظة سقوطهم. الواقع والخيال في السياسة تداخلا لدرجة أن الحقيقة أصبحت هي الخيال الذي لا يصدقه أحد، والأكاذيب أصبحت هي الواقع الذي يُبنى عليه مصير الأمم."
رابعاً: ميزانية "وهمية" في عالم مادي
تطرقنا للاقتصاد، وسألته: "كيف تتبخر ثروات الشعوب؟ هل لديكم يد في ذلك؟"
قال بصراحة:
"نحن نتبرأ من هذا! نحن نسرق الذهب في القصص فقط، أما في الواقع، فالاقتصاد العالمي تحول إلى 'عالم سفلي'. ديون تُبنى على ديون، وأرقام تظهر في الشاشات وتختفي من جيوب الفقراء. إنها عملية 'تحضير أرواح' للأموال؛ تُستحضر في البورصات وتُحرق في الأزمات المفتعلة. السياسة اليوم هي فن إقناع الجائع بأن المعدة الفارغة هي جزء من 'التضحية الوطنية'."
الخاتمة: هل من مخرج؟
قبل أن يختفي العفريت مع أول خيط من الفجر، سألته: "هل هناك أمل في إصلاح هذا المشهد؟"
تلاشى جسده تدريجياً وهو يهمس:
"الأمل ليس في 'تعويذة' تأتي من الخارج، ولا في 'مخلص' يهبط من السماء. الأمل يبدأ عندما يكف البشر عن اعتبار السياسة 'قدراً' لا يُرد، ويبدأون في التعامل معها كعلم وإرادة. توقفوا عن عبادة 'أصنام' السلطة، وتوقفوا عن الخوف من 'خيال المآتة' الذي تضعه القوى العظمى أمامكم. الواقع أنتم من تصنعونه، أما نحن العفاريت.. فنحن مجرد انعكاس لمخاوفكم."
اختفى العفريت، وبقيت الغرفة صامتة، لكن الأوراق التي كانت أمامي لم تعد كما كانت؛ لقد أدركت أن السياسة في جوهرها هي الصراع بين إرادة التغيير (الواقع) وخوف التبعية (الخيال). وطالما ظل الإنسان مسكوناً بأوهام العجز، سيظل العفاريت هم من يديرون المشهد من وراء الستار.







0 تعليقات