لقاء عمالقة الأدب د. كامل النحاس و د عيد النوقى حافظ #حصريا ديلى جراف عربية


ماذا يبقى للإنسان إذا فقد الإيثار ؟


قراءة في خاطرة المساء وخُلُق الإيثار





بقلم: د. كامل النحاس


تأتي خاطرة الإيثار: خُلُقٌ يبني الإنسان والمجتمع للكاتب القدير الدكتور عيد كامل حافظ النوقي، في صورة خطاب إنساني وتربوي رصين، يجمع بين وضوح الفكرة ورقة التعبير، ويقدم خُلُق الإيثار بوصفه قيمة تتجاوز حدود العطاء المادي إلى بناء الإنسان من الداخل، وإعادة صياغة علاقته بالآخرين.


ويحسب للكاتب أنه لم يحصر الإيثار في المال والطعام، وإنما وسّع دائرته لتشمل الوقت والجهد والعلم والخبرة والمحبة والاهتمام، وهي رؤية تجعل الإيثار سلوكًا يوميًا يمكن أن يمارسه الإنسان في بيته ومجتمعه، لا فضيلة استثنائية لا تظهر إلا في أوقات الشدة.


وقد أحسن الكاتب حين ربط الإيثار بالبعد الإيماني، مستشهدًا بقوله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

 [الحشر: 9]


ثم انتقل من بيان مفهوم الإيثار وصوره إلى آثاره في الفرد والمجتمع، فأبرز أثره في تهذيب النفس ومقاومة الأنانية والحسد، وفي نشر المحبة والتكافل وتقوية الروابط بين الناس، مستأنسًا بقول النبي ﷺ:


 مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد

 متفق عليه.


وأحسب أن من أجمل ما في الخاطرة أنها لم تقدم الإيثار بصورة مثالية منفصلة عن الواقع؛ فقد تنبه الكاتب إلى أن الإيثار لا يعني أن يحرم الإنسان نفسه دائمًا، ولا أن يهدر حقوقه، وإنما أن يتحرر من سجن الأنانية، وأن يعرف متى تكون مصلحة الآخر أولى بالتقديم.


كما أن الجانب العملي في الخاطرة جدير بالتقدير؛ فالكاتب لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيثار، بل أشار إلى وسائل اكتسابه بالتدريب والمجاهدة، ومشاركة الآخرين، وتعويد الأبناء على العطاء، ومحاسبة النفس، وهي خطوات تجعل القيمة الأخلاقية قابلة للتحول إلى ممارسة وسلوك.




ومع ذلك، فإن الخاطرة في بعض أجزائها تميل إلى البناء التربوي المنظم القائم على التعريف والتقسيم والتعداد، حتى تقترب أحيانًا من المقالة التوجيهية أكثر من اقترابها من الخاطرة الأدبية. 


وربما كان مزيد من التكثيف والصور الإنسانية والمواقف الحية سيمنحها مساحة أدبية أوسع، دون أن يفقدها وضوحها وقيمتها التربوية.

لكن هذا لا يحجب القيمة الأساسية للنص؛ 

فقد نجح الكاتب في تقديم الإيثار باعتباره انتصارًا على الأنا، ووسيلة لبناء إنسان أكثر رحمة، ومجتمع أكثر ترابطًا.


وتبقى خاتمة الخاطرة أصدق تعبير عن فكرتها كلها:


قد أحتاج ما عندي، لكن حاجتك عندي أعظم.


إنها عبارة قصيرة، لكنها تختزل معنى الإيثار في أبلغ صورة: أن يرى الإنسان حاجة أخيه بعين القلب، وأن يستطيع أن يقدم غيره على نفسه حين يكون ذلك خيرًا، دون انتظار مدح أو مقابل.




وفي الختام، أتقدم للكاتب القدير الدكتور عيد كامل حافظ النوقي بالتقدير على هذه الخاطرة الهادفة، وما حملته من معنى إنساني وتربوي يحتاجه الإنسان في زمن تتسع فيه دائرة الأنا، وتشتد فيه الحاجة إلى إعادة اكتشاف فضائل العطاء والتراحم والإيثار.

إرسال تعليق

0 تعليقات