ملامح في رواية أديب
بقلم نشوى على 🇪🇬
أحب أحيانًا أن أجلس في مكان هادئ وأراقب الناس.
لا أفعل شيئًا مهمًّا أطلب فنجان قهوة وأتركه يبرد أمامي وأتفرج على الحياة وهي تؤدي أدوارها اليومية دون أن تعرف أن لها متفرجًا.
الرجل الذي يجلس وحده إلى جواري ينظر إلى هاتفه كل دقيقة. لا يبدو أنه ينتظر مكالمة مهمة لكنه كلما أضاءت الشاشة اعتدل في جلسته ثم عاد إلى انشغاله القديم حين يكتشف أن الرسالة ليست ممن يريد.
يا للمساكين! نحن لا نحتاج دائمًا إلى الأخبار بل نحتاج أحيانًا إلى شخص بعينه يحمل إلينا خبرًا واحدًا أنه ما زال يتذكرنا.
وعلى الطاولة المقابلة تجلس امرأة تضحك بصوت مرتفع. تحكي لصديقتها شيئًا يبدو مضحكًا فتضحك الصديقة معها ويضحك النادل الذي لا يعرف الحكاية أصلًا. ثم تسكت المرأة فجأة وتنظر من وراء الزجاج إلى الشارع. لحظة واحدة لا أكثر ثم تعود إلى الضحك كأن شيئًا لم يحدث.
ترى ماذا حدث في هذه اللحظة القصيرة؟
ربما تذكرت موعدًا أو وجهًا أو كلمة قالتها منذ سنوات. وربما لم تتذكر شيئًا على الإطلاق. نحن الذين نحب أن نمنح الوجوه حكايات لأننا نعرف أن لكل إنسان حياة لا نراها ونريد أن نعرفها ثم نخاف أحيانًا لو عرفناها كاملة.
للوجه قدرة عجيبة على الكذب لكنه ليس كاذبًا محترفًا. ينجح في إخفاء الحقيقة دقائق وربما ساعات ثم تأتي نظرة صغيرة فتهدم كل ما بناه صاحبه من حذر.
تقول لصديقك أنا سعيد من أجلك وتصافحه بحرارة ثم تتمنى في سرك لو أن الحظ ابتسم لك أنت أيضًا. لا يعني هذا أنك لا تحبه إنك تحبه فعلًا ولكنك إنسان والإنسان كائن معقد يستطيع أن يفرح للآخرين ويحزن لنفسه في اللحظة ذاتها.
والأم التي تقول لابنها المسافر اذهب ولا تشغل بالك بي قد تكون أول من يسهر إذا تأخر اتصاله. وهي لا تكذب عليه حين تقول إنها بخير لكنها تقصد أنها ستحاول أن تكون بخير وهذا فرق لا تنتبه إليه القواميس.
أما العاشق فله شأن آخر يستطيع أن يقضي المساء كله مع من يحب ثم يعود إلى بيته ليكتشف أنه نسي أن يقول لها أهم جملة في حياته. وقد يظل يومين يفكر في الطريقة التي سينطق بها تلك الجملة حتى إذا قابلها قال كلامًا كثيرًا عن الطقس والزحام وأحوال الدنيا.
ولذلك لا أستغرب أن بعض قصص الحب تنتهي قبل أن تبدأ فهناك أناس يحبون بعضهم بإخلاص شديد لكنهم لا يجيدون الكلام وهناك أناس يجيدون الكلام إلى درجة تجعلنا نشك في إخلاصهم.
في الحزن تتغير ملامح الناس بطريقة لا تلاحظها إلا إذا كنت تحبهم.
الرجل الذي كان يملأ المكان حديثًا يصبح قليل الكلام والمرأة التي كانت تشتكي من ضيق الوقت تجد نفسها فجأة لا تعرف ماذا تفعل بكل هذه الساعات. حتى الأشياء الصغيرة تفقد معناها فنجان القهوة الذي كان يوقظها صار مجرد فنجان والأغنية التي كانت تحبها أصبحت بابًا لا تريد أن تفتحه.
ومع ذلك لا أحد يسألها عن كل هذا. يراها الناس تذهب إلى عملها وتشتري احتياجات البيت وترد على الهاتف فيظنون أنها تجاوزت الأمر.
نحن بارعون في الاطمئنان إلى المظاهر. يكفي أن يرتدي الإنسان ثيابه ويخرج من بيته حتى نقرر أنه بخير وكأن الحزن مرض يمنع صاحبه من ارتداء الحذاء.
ولعل لهذا السبب لا نعرف أحوال بعضنا حقًا. نحن نرى ما يفعله الناس ولا نرى ما يكلفهم فعله.
وأنا أراقب الوجوه أكتشف أن الإنسان لا يتغير بالقدر الذي نظنه إنه يكشف عن وجه جديد كلما وضعت الحياة أمامه موقفًا جديدًا.
هناك وجه للفرح وآخر للخوف وثالث للخذلان ووجه لا يظهر إلا حين يطمئن الإنسان إلى أنه ليس مضطرًا إلى الدفاع عن نفسه.
والطريف أننا نطالب الناس بأن يكونوا على طبيعتهم ثم نعاقبهم إذا أظهروا طبيعتهم التي لا تعجبنا. نريد الصراحة بشرط ألا تجرحنا ونريد العفوية بشرط أن توافق أهواءنا ونحب أن يعرفنا الآخرون كما نحن لكننا نفضل أن يعرفوا الأجزاء التي اخترنا عرضها عليهم.
ثم نعود ونتساءل لماذا لا يفهمنا أحد؟
ربما لأننا أنفسنا لا نظهر دائمًا الوجه نفسه. وربما لأننا ننتظر من الآخرين أن يقرأوا كتابًا لم نسمح لهم بفتح صفحاته الأخيرة.
انتهت القهوة وبقيت الوجوه تتحرك أمامي.
الرجل الذي كان ينتظر رسالة نهض أخيرًا ووضع هاتفه في جيبه ومضى. لا أعرف إن كانت الرسالة قد وصلته أم أنه قرر ألا ينتظر أكثر.
والمرأة التي كانت تضحك غادرت مع صديقتها وعادت إلى وجهها ابتسامة واسعة حين ودعتها عند الباب.
أما أنا فدفعت الحساب وخرجت إلى الشارع وأنا أفكر في أمر بسيط
كم مرة مررنا أمام إنسان وحكمنا عليه من وجهه بينما كانت حياته كلها تجري خلف ذلك الوجه ولا نراها؟
وكم مرة تمنينا أن يفهمنا أحد دون أن نضطر إلى شرح ما لا نستطيع شرحه؟
أظن أن هذه هي الحكاية أننا نمضي بين الناس بوجوه كثيرة ونحتفظ لأنفسنا بوجه لا يعرفه أحد تمامًا.
فنحن لا نملك وجهًا واحدًا بل مجموعة وجوه تتناوب الظهور بحسب من نحب ومن نخاف ومن فقدنا ومن خذلنا وبحسب ما تبقى فينا من قدرة على الاحتمال.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجد من لا يفاجئه وجهه الحزين ولا يسيء فهم وجهه الصامت ولا يطالبه بأن يظل مضحكًا ومشرقًا طوال الوقت.
إنسان يجلس إلى جواره في هدوء ويترك له حرية أن يكون كما هو.
وهذا في رأيي نوع نادر من الحب أن يراك أحدهم دون أن يطالبك بتغيير ملامحك كي تناسبه.




0 تعليقات