التنمر بين الماضي والحاضر بقلم د عيد النوقى حافظ

 

التنمر بين الماضي والحاضر 

من أزمة الأخلاق إلى صناعة جيلٍ يحترم الإنسان




بقلم  الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

مقدمة: لم يكن التنمّر وليد هذا العصر، بل عرفته المجتمعات قديمًا في صور متعددة؛ من السخرية والاستهزاء والتعيير والتمييز، غير أن اختلاف الأزمنة غيّر أدواته وسرعة انتشاره ومدى تأثيره. وربما كانت بعض قيم الحياء والضمير والروابط الاجتماعية تردع كثيرًا من صور الإيذاء، لكنها لم تمنع التنمّر منعًا مطلقًا؛ فقد عانت أجيال سابقة من جراح الكلمة وقسوة المعاملة، وإن لم تجد دائمًا من يسمع صوتها.

أولًا: هل كان التنمّر في الماضي أشد أم في الحاضر؟

لا نستطيع الجزم بأن التنمّر اليوم أشد من الماضي في كل المجتمعات؛ فالمقارنة تحتاج إلى أدلة، لكننا نستطيع القول إن العصر الحديث منح التنمّر وسائل جديدة وخطيرة؛ فبعد أن كانت الكلمة الجارحة قد تنتهي بانتهاء الموقف، أصبحت صورة أو رسالة أو تعليقًا إلكترونيًّا قادرًا على الانتشار الواسع، وملاحقة الضحية حتى داخل بيتها.

ومن هنا، فالمشكلة ليست في تغيّر الزمن وحده، بل في ضعف التربية الأخلاقية، وغياب القدوة، والتساهل مع الإهانة، وتحويل آلام الآخرين إلى مادة للضحك والمشاهدة.

ثانيًا: ماذا يقول الإسلام في كرامة الإنسان؟

وضع القرآن الكريم قاعدة أخلاقية خالدة تحفظ كرامة البشر، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11].

وهذه الآية تؤسس لتربية تحارب السخرية والتنابز بالألقاب، وترفض أن يكون الشكل أو الفقر أو اللون أو الإعاقة أو الاختلاف سببًا للانتقاص من أحد.

وقال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، متفق عليه، رواه البخاري ومسلم.

فليس التفوق أن نكسر خاطر إنسان، ولا القوة أن ننتصر على ضعيف، وإنما القوة الحقيقية أن نملك أنفسنا حين نغضب، وأن نصون كرامة غيرنا حين نختلف معه.

ثالثًا: كيف نصنع جيلًا يحترم الاختلاف؟

إن بناء جيلٍ خالٍ من التنمّر لا يتحقق بالمواعظ وحدها، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، حين يتعلم الطفل أن الاعتذار شجاعة، وأن الاختلاف ليس عيبًا، وأن السخرية ليست فكاهة بريئة إذا جرحت إنسانًا.

وتمتد إلى المدرسة، حين يصبح الاحترام ثقافة يومية، وتُواجَه حالات التنمّر بحزم وعدالة، مع حماية الضحية وتقويم المتنمّر، لا بالتشهير به أو إذلاله.

وتصل إلى الإعلام ووسائل التواصل، حيث ينبغي أن نُعلّم أبناءنا مسؤولية الكلمة، وألا يشاركوا في نشر الإهانة، وأن يبلغوا عن الإساءة، وأن يقفوا بجوار من يتعرض لها.

كما يجب أن نصغي إلى الطفل الذي يتعرض للتنمّر، ونصدّقه، ونشعره بالأمان، ونطلب المساعدة المتخصصة إذا ظهرت آثار نفسية مستمرة أو خطيرة.

خاتمة: إن السؤال الحقيقي ليس: هل كان الماضي أفضل أم الحاضر؟ بل: هل نحن اليوم أقدر على حماية إنسانية الإنسان؟

إن المجتمع الراقي ليس مجتمعًا تتشابه فيه الوجوه والأفكار، بل مجتمع يتسع للاختلاف، ويمنح كل إنسان حقه في الاحترام والأمان.

فلنربِّ أبناءنا على قاعدةٍ عظيمة: لا تجعل اختلاف إنسانٍ عنك سببًا لإيذائه، بل اجعل أخلاقك جسرًا تعبر به إليه.

فربما نسينا نحن كلمةً جارحة قلناها في لحظة، لكن صاحب القلب المجروح قد يحمل أثرها سنوات؛ فلتكن كلماتنا بلسمًا لا سلاحًا، ولتكن تربيتنا صناعةً للرحمة، لا توريثًا للقسوة.







إرسال تعليق

0 تعليقات