نَقْدُ الوَعْيِ الزَّائِفِ كَيْفَ تُضَلِّلُ الأَدَبِيَّاتُ الإِدَارِيَّةُ المُعَاصِرَةُ عَقْلَ صَانِعِ القَرَارِ د محمدابوقرون قطر 🇶🇦

 

نَقْدُ الوَعْيِ الزَّائِفِ: كَيْفَ تُضَلِّلُ الأَدَبِيَّاتُ الإِدَارِيَّةُ المُعَاصِرَةُ عَقْلَ صَانِعِ القَرَارِ ؟






لَطَالَمَا رَزَحَتِ المُؤَسَّسَاتُ المُعَاصِرَةُ تَحْتَ وَطْأَةِ سَيْلٍ جَارِفٍ مِنَ "الأَدَبِيَّاتِ الإِدَارِيَّةِ" الَّتِي تُرَوِّجُ لِنَمَاذِجِ النَّجَاحِ المُعَلَّبِ، وَهِيَ أَدَبِيَّاتٌ اسْتِهْلَاكِيَّةٌ فِي جَوْهَرِهَا، تَكْتَفِي بِمُلَامَسَةِ السَّطْحِ الإِجْرَائِيِّ دُونَ النَّفَاذِ إِلَى العُمْقِ الأُنْطُولُوجِيِّ لِلْكِيَانِ المُؤَسَّسِيِّ. إِنَّ مَا نُوَاجِهُهُ اليَوْمَ هُوَ حَالَةٌ مِنَ "الوَعيِ الزَّائِفِ"؛ حَيْثُ يُخَيَّلُ لِصَانِعِ القَرَارِ أَنَّ اسْتِنْسَاخَ المُصْطَلَحَاتِ البَرَّاقَةِ، وَالِارْتِهَانَ لِخَوارِزْمِيَّاتِ الإِدَارَةِ النَّمَطِيَّةِ، كَفِيلَانِ بِصِنَاعَةِ النَّهْضَةِ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ أَنَّ هَذِهِ الأَدَبِيَّاتِ غَالِباً مَا تَكُونُ عَائِقاً أَمَامَ "التَّطْوِيرِ المَعْرِفِيِّ" الحَقِيقِيِّ.


​وَعِنْدَ تَفْكِيكِ هَذَا الوَعْيِ الزَّائِفِ بَحْثِيّاً، نَجِدُ أَنَّ التَّقْدِيسَ المُفْرِطَ لِـ "العَقْلِ الأَدَاتِيِّ" -كَمَا نَقَدَهُ "مَاكْس هُورْكَهَايْمَر" وَرُوَّادُ مَدْرَسَةِ فْرَانْكِفُورْت- قَدْ أَحَلَّ "التِّقْنِيَّةَ" مَحَلَّ "الحِكْمَةِ"، فَأَصْبَحَ القَائِدُ الإِدَارِيُّ يَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ "بِيتَر سِينْجِي" فِي التَّفْكِيرِ النَّظْمِيِّ، لَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى "البَصِيرَةِ المَعْرِفِيَّةِ" الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنْ تَوْطِينِ هَذِهِ الأَدَوَاتِ فِي بِيئَتِهِ الثَّقَافِيَّةِ. إِنَّ الِارْتِهَانَ لِعَالَمِ "الأَشْيَاءِ" عَلَى حِسَابِ عَالَمِ "الأَفْكَارِ" -بِحَسَبِ تَوْصِيفِ المُفَكِّرِ مَالِك بِن نَبِي- هُوَ العِلَّةُ الكَامِنَةُ وَرَاءَ تَعَثُّرِ المَشَارِيعِ الإِصْلَاحِيَّةِ؛ فَالمُؤَسَّسَاتُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "تَكْدِيسِ" النَّمَاذِجِ المُسْتَوْرَدَةِ دُونَ إِعَادَةِ هَنْدَسَةِ عَقْلِهَا الجَمْعِيِّ، تَظَلُّ تَدُورُ فِي فَلَكِ "القَابِلِيَّةِ لِلِاسْتِهْلَاكِ المَعْرِفِيِّ" لَا الإِنْتَاجِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ.


​دَوْلِيّاً، يُعَدُّ النَّمُوذَجُ السِّنْغَافُورِيُّ بِقِيَادَةِ "لِي كُوَان يُو" دَرْساً بَلِيغاً فِي نَقْدِ هَذَا الوَعْيِ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ قَاطِرَةَ التَّغْيِيرِ لَا تَقُودُهَا مَهَارَاتُ "التَّنْمِيَةِ البَشَرِيَّةِ" التَّبْسِيطِيَّةِ، بَلْ يَقُودُهَا "تَطْوِيرٌ مَعْرِفِيٌّ" جِذْرِيٌّ يَمَسُّ هُوِيَّةَ الفَرْدِ وَوَعْيَهُ الوَطَنِيَّ. وَفِي مَقَالِي هَذَا، أُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِثْمَارَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي "المَهَارَةِ" الَّتِي تَزُولُ بِتَقَادُمِ التِّقْنِيَّةِ، بَلْ فِي "العَقْلِ" الَّذِي يَصْنَعُ المَعْنَى وَيَحْمِي السِّيَادَةَ المَعْرِفِيَّةَ. إِنَّ مَا نُقَدِّمُهُ عَبْرَ رُؤْيَةِ "المَعْرِفِيَّةِ الِاسْتِشْرَافِيَّةِ" هُوَ دَعْوَةٌ لِتَجَاوُزِ "فَخِّ المَهَارَةِ" نَحْوَ رَحَابَةِ "الوَعِيِ الكِيَانِيِّ"؛ حَيْثُ تُصْبِحُ الإِدَارَةُ فِعْلاً حَضَارِيّاً يَجْمَعُ بَيْنَ صَرَامَةِ الِاقْتِصَادِ وَأَنَاقَةِ النَّصِّ الثَّقَافِيِّ.


​إِنَّ الخُرُوجَ مِنْ تِيهِ الوَعْيِ الزَّائِفِ يَتَطَلَّبُ شَجَاعَةً مَعْرِفِيَّةً لِإِعَادَةِ رَسْمِ الخَارِطَةِ الإِدْرَاكِيَّةِ لِصَانِعِ القَرَارِ، بِحَيْثُ يَتَحَرَّرُ مِنْ سُلْطَةِ "القَوَالِبِ الجَاهِزَةِ" وَيَعْبُرُ إِلَى ضِفَافِ "الِابْتِكَارِ الهِيكَلِيِّ". لَقَدْ آنَ الأَوَانُ لِتَفْكِيكِ الخِطَابِ الإِدَارِيِّ السَّائِدِ، وَبِنَاءِ مَنْظُومَةٍ تَرْتَكِزُ عَلَى "الأَصَالَةِ المَعْرِفِيَّةِ" كَمُحَرِّكٍ لِلِاسْتِدَامَةِ، فَالْمُسْتَقْبَلُ لَا يَصْنَعُهُ مَنْ يَمْلِكُ المَعْلُومَةَ بَلْ مَنْ يَمْلِكُ "الوَعْيَ" بِهَا؛ فَالْمَعْرِفَةُ حِينَمَا تَكُونُ كَيْنُونَةً، تُحَوِّلُ العَقْلَ مِنْ مُجَرَّدِ مَخْزَنٍ لِلْبَيَانَاتِ إِلَى مَنَارَةٍ لِلسِّيَادَةِ وَالِازْدِهَارِ.


الدكتور محمد أبوقرون  قطر  🇶🇦


فبراير ٢٠٢٦م الدوحة-قطر 


​#التطوير_المعرفي #نقد_الوعي_الزائف #مدارك #مالك_بن_نبي #الفكر_الإداري #اقتصاد_المعرفة #السيادة_المعرفية #هندسة_العقل #لي_كوان_يو #بيتر_سينجي #الإدارة_الاستراتيجية #الوعي_الوطني #النقد_المؤسسي #النموذج_المعرفي #الاستثمار_في_العقل








إرسال تعليق

0 تعليقات