‏التجهيل الفكري، وخطره على المجتمع سفير المشاعر أبو عمر إبراهيم الجفال العراق 🇮🇶

 

‏التجهيل الفكري،  وخطره على المجتمع




  سفير المشاعر أبو عمر إبراهيم الجفال العراق  🇮🇶


‏ليس الجهل والتجهيل أمرا ً واحداً  كما قد يظن البعض ، فبينهما مسافة شاسعة في المعنى والغاية والأثر .


‏فالجهل  :  


‏حالة إنسانية عفوية تعني عدم الدراية بالشيء أو نقص المعرفة به ، وهو أمرٌ ملازم لطبيعة البشر ، إذ يولد الإنسان وهو لا يعلم ، ثم يتعلم ويسأل ويجتهد حتى يزول عنه ما استطاع من ذلك النقص . الجهل إذاً  :  قصورٌ غير مقصود ، يمكن علاجه بالتعليم ، ويزول بالبحث ، ويُرفع بالحوار .



‏أما التجهيل  :  فهو فعلٌ مقصود ، وصناعةٌ متعمدة ، يقوم بها من يملك المعرفة لكنه يحجبها ، أو يشوّهها ، أو يقدم بدلاً عنها صورةً مزيفة تخدم غايةً ما . 


‏فالتجهيل ليس غياب النور ، بل إطفاءٌ متعمد للمصابيح . وليس فراغا ً معرفياً  ، بل ملءٌ للعقول بمعلوماتٍ مضللة ، وأفكارٍ مغلوطة ، تُقدَم على أنها حقائق .



‏ومن هنا يمكن فهم التجهيل الفكري بوصفه عملية تزييفٍ للوعي ، تقوم على :-



‏إخفاء الحقيقة أو تجزئتها .



‏تحريف المعلومة عن سياقها .



‏بث الشبهات بدل الأدلة .



‏تسويق الأفكار المسمومة حتى تصبح مألوفة .



‏إعادة تشكيل الإدراك الجمعي ببطءٍ وهدوء حتى لا يُلحَظ التغيير  .




‏وهذا التجهيل لا يأتي على صورةٍ واحدة ، بل يظهر في شكلين رئيسين :



‏أولا  ً :  


‏       التجهيل عن جهل


‏وهو أخطر مما يبدو ، لأنه يصدر من أناسٍ لا يقصدون التضليل ، لكنهم يشاركون فيه دون وعي . 


‏يحدث ذلك عندما يُنقل قولٌ بلا تحقق ، أو تُنشر معلومة بلا تمحيص ، أو تُتداول نصوصٌ منسوبة للدين أو للعلم دون تثبّت من صحتها . 


‏في هذه الحالة يتحول الإنسان ، من حيث لا يشعر ، إلى حلقةٍ في سلسلة نشر الخطأ ، فيتضاعف الأثر وتترسخ المعلومة الزائفة حتى يصعب اقتلاعها .



‏إن حسن النية وحدها لا تكفي لصيانة الوعي ، فالمعرفة مسؤولية ، والنقل أمانة ، والكلمة قد تبني عقلا ً أو قد تهدمه .



‏ثانيا ً  : 


‏      التجهيل المبرمج والمدروس


‏وهو الأخطر والأعمق أثرا ً  ، لأنه لا يقوم على العفوية ، بل على التخطيط طويل الأمد . تُصاغ فيه الرسائل بعناية ، وتُعاد الفكرة نفسها بوسائل مختلفة ، حتى تتحول مع الزمن إلى “حقيقة” لا يناقشها الناس .


‏ ويستخدمون  فيه الإعلام المضلل ، والتعليم والتعتيم ، والصورة النمطية العكسية ، والتكرار المنهجي ، لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بطريقة تخدم أهدافاً  سياسية أو ثقافية .



‏هذا النوع لا يسعى إلى إقناع العقل بقدر ما يعمل على تطويعه ، ولا يواجه الحقيقة مباشرة ، بل يلتف حولها حتى يضعف حضورها في النفوس  ، أو يلغيها . 



‏وخير مثال  هي محاولات  " ترهيب  الاسلام  "  وجعل الشعوب تصدق ان الإسلام يدعو للارهاب. والأخطر من هذا كله هي جعل المسلمين انفسهم يصدقون هذه الكذبة ، ويعملون جاهدين على  محاربة بعضهم ،  دون التركيز على تبرئة الإسلام منه هذا الزيف والتضليل  . 


‏ 




‏إن أخطر ما في التجهيل الفكري أنه لا يدمّر المعرفة فقط ، بل يضعف قدرة الإنسان على التمييز بين الحق والباطل، بين الحقيقة  والزيف، فيفقد البوصلة التي تهديه . 


‏وعندما يختل الوعي ، يصبح المجتمع عرضةً لكل أشكال الاستغلال ، إذ يمكن توجيهه بالشعارات بدل الحقائق ، وبالانفعالات بدل التفكير ، وبالصور المصنوعة بدل الواقع .



‏ولذلك فإن مقاومة التجهيل لا تكون بالصراخ ولا بردود الأفعال المتشنجة ، بل بثلاثة أمور أساسية :



‏1 : -  ترسيخ ثقافة التحقق قبل التصديق أو النقل .




‏2  : -   إحياء قيمة السؤال بوصفه طريقا ً  إلى الفهم لا تمرداً على الثوابت .




‏3  : -  بناء وعيٍ نقدي يوازن بين النصوص والسياقات ، وبين العاطفة والعقل .





‏فالمجتمعات لا تُهزم حين تفتقر إلى الموارد  ، بل حين تُسلب قدرتها على التفكير  . 


‏ولا تُبنى الحضارة بكثرة المعلومات ، بل بصحة الوعي الذي يتعامل معها .



‏إن مسؤولية حماية العقول مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد حين يرفض أن يكون ناقلا ً بلا وعي ، وتمتد إلى المؤسسات حين تجعل المعرفة أداة بناء لا وسيلة توجيه خفي . 


‏فالوعي الصادق هو أساس النهضة ، والإنسان المفكر هو حجرها الأول .



‏وحين نُدرك الفرق بين أن نكون جاهلين فنتعلم ، أو مُجهلين فنستيقظ ، نكون قد خطونا الخطوة الأولى في طريق استعادة العقل ، وصيانة الكلمة ، وبناء مجتمعٍ يرى الحقيقة كما هي ، لا كما يُراد له أن يراها. 



‏ خاتماً  :  



‏وفي خضم هذا الضجيج المعرفي الذي يختلط فيه الصادق بالمصنوع ، تبقى مسؤولية الإنسان أن يكون حارسا ً لوعيه ، لا مستهلكاً  لكل ما يُلقى إليه . فالعقول لا تُصان بكثرة ما تستقبل ، بل بحسن ما تُميز ، والوعي لا ينمو بالتلقي المجرد  ، بل بالتأمل والسؤال والبحث عن الحقيقة في مصادرها النقية والتحري عنها .



‏إن مواجهة التجهيل الفكري ليست معركة عابرة ، بل هي مشروع وعيٍ دائم ، يبدأ من تربية النفس على الصدق في المعرفة ، واحترام العقل ، وتحري الدقة قبل الحكم أو النقل  .


‏ فكل كلمةٍ مسؤولة ، وكل فكرةٍ قد تكون لبنةً في بناء الوعي أو معولاً  في هدمه .



‏فلنكن ممن يُنيرون لا ممن يُطفئون ، وممن يُبينون لا ممن يُشوشون ، حتى تبقى الكلمة أمانة ، ويظل العقل ميزانا ً ، ويستعيد الفكر مكانته بوصفه طريق الإنسان إلى الكرامة والحضارة .



‏والله من وراء القصد  .



‏ مع خالص تحياتي  


‏ اخوكم  :  


  سـفـيـر الـمـشـاعـر 


‏ أبـو عـمـر إبـراهـيـم الـجـفـال الـطـائـي  


‏        

‏ ‏ عضو رابطة العلماء والمفكرين في العراق  فرع نينوى 


‏  عضو الرابطة العربية للأدباء  والثقافة  فرع الموصل 


‏  عضو  اتحاد  كتاب  الأنترنت  العراقيين 



إرسال تعليق

0 تعليقات