د. ايمن الشريف العالم .. ذاك النص المفقود ديلي جراف حول العالم

 

العالم .. ذاك النص المفقود

هذا انت،، يا قارئ الكلمات 




وحيدا تقف فى منتصف ميدان عالمى فسيح ، الصمت فيه اشد ضجيجا من صرخات المارة .. شاشات العرض العملاقة من حولك تعرض ارقاما متسلسلة ، تومض ثم تخبو .. تحاول من خلال هاتفك الاستدلال على الطريق ، فتجد متاهة من الايقونات التى لا تفهم كنهها .. 

ارفع عينيك ، انظر للوجوه الباردة من حولك .. انظر للاقنعة المصقولة بالجلد الرقيق ، التى تعكس ضوء النيون البارد .. و الكل يسير 

اصرخ .. قدر ما استطعت .. فقط سينظر العابرون اليك ، و سيكملون طريقهم 


ان ما صرت تراه ببساطة ، هو العالم الذى انزلقنا اليه بنعومة .. عالم لطخته الرموز من كل حدب ، و صارت الكلمة الواضحة فيه هى السر الذى لا يروى الا وراء الحجب ، و فى داخل الغرف المظلمة .. 


و الرموز - ذلك السحر الخفى - خاطبت وعينا و لا وعينا ، و صار الرمز نصا بحد ذاته حتى فى حياتنا اليومية .. و صار اعظم عملية اختطاف وعى جمعى فى التاريخ 

الرمز مراوغ بطبيعته ، لا يعطيك الحقيقة الكاملة ، و انما يمنح الايحاء الذى يوجه السلوك دون ان تدرك .. و بالتدريج سقط العالم الى هذه الهاوية 

الان بدلا من ان تكتب جملة طويلة عريضة تصف ما تشعر به ، يكفيك ان تضع ايموجى بسيط ..

بالتدريج اصبح يمكننا الاستغناء عن عدد وفير من الناس ، فى مقابل تكوين غابة من الاكواد المعقدة التى يمكنها القيام بنفس اعمالهم ..

مع الوقت صرنا نكتشف ان المدن العالمية الكبيرة ، قد تم تخطيط شوارعها و ميداينها العملاقة برموز واضحة ، غير مستترة .. 

اما نحن - بنى الانسان - فما الا نقاط فى رسم بيانى عملاق ، او ارقام تنزع عنا صفة الانسانية ، و تصيغنا ما بين الصفر و الواحد ، و ترسمنا على نسبة ذهبية ، و تقسمنا الى ارقام فى فئات .

هذا التشفير لم يكتفى بنا ، بل صار حولنا من كل اتجاه ..

لقد تم نحت الارض بهندسة اوكولتية لا مبرر لها على الاطلاق .. الانصاب صارت ترتقى كالمسامير فى عواصم العالم .. و المسلات الفرعونية نزعت من سياقها الروحى و وضعت قسرا فى باريس و لندن و واشنطن .. 


هذا ما يسمى بهندسة الرهبة .. لغة اعلى تتخاطب بها النخب الأسمى من فوق رؤوس الجماهير الغافلة ، و ما كان هذا الا لبرمجة النفس على الخضوع لنظام خفى لا تراه ، لكن تشعر بثقله فى كل زاوية ، و عند كل نقشة حجر ، و على كل علبة سجائر تنفث بها عن غضبك ..

وفي السنوات الأخيرة، انتقلت هذه العمارة إلى مرحلة "المدن الذكية"، وهي التسمية اللطيفة لـ "المدن المشفرة بالكامل"... هنا، تصبح العمارة والتقنية شأناً واحداً؛ الجدران التي كانت صامتة صارت اليوم تمتلك عيوناً برمجية ، حتى الابواب لا تفتح الا بأكواد ..

العالم يتحول بالتدريج الى مختبر عملاق لقياس مدى تأثير ذلك الرمز في استجابة القطيع ..

و ​إذا كانت "عمارة التيه" قد نجحت في محاصرة أجسادنا داخل جغرافيا الرموز، فإن هناك معقلاً آخر جرى اختراقه بعناية فائقة ، هو خيالنا...

 نحن نعيش اليوم في عصر "البرمجة الاستباقية" (Predictive Programming)، حيث تحولت صناعة السينما و الترفيه الى مختبرات حقن للوعى الجمعى الكامل .. و صار ما نشاهده فى هوليوود و منصات البث الرقمى عملية تلقيح كاملة و مبكرة للعقل البشرى لتقبل الاحداث القادمة .. يكفى ان تبحث بنفسك و ان ترى بعينك كيف كان تاريخ الحادى عشر من سبتمبر يتكرر فى افلام الكارتون و السينما قبل وقوع حادث انهيار برج التجارة العالمى .. و لا داعى لسرد امثلة اخرى ، فكلنا لديه من الامثلة العدد الوفير ..


و بهذا صار الرمز يضخ الينا ، و يستقر فينا و بنا ذلك الرقيم البشرى .. لنستسيغه و نتقبله كما لو كما لو كان قدرا محتوما .. و الفلسفة هنا فى فن صياغة القبول ..


و من امتلاك خيالك ، و امتلاك عالمك ..

ما انت الا اسيرهم .

و صار الواقع يذبح قربانا امام لاهوت الرموز الدموية ..

و عادت الحروب مجددا على طاولة الدنيا ، و المجازر صارت ترتكب باسم الطقس السياسى .. 


و امثالى - و امثالك بالمناسبة بما انك وصلت الى هذه المرحلة من قراءة هذا المقال الطويل - يستندون دوما الى مقاعدهم ينتظرون ( نغمة الحرب الجديدة ) .. و هى تلك الجملة التى ترى الاعلام بالكامل يقولها و يرددها ، كأنها شعار او ما يسمونه فى الدعاية باسم (slogan) 

و ما اعجبه كيف ان هؤلاء الذين يرتكبون المجازر ، يبررونها باسم الدين و الدفاع عنه .. بل و اعادوا برمجة عقلية و وعى ( الانسان الابيض ) ليتفهم بالكامل ان الارهاب يعنى ديانة معينة و فصيل معين من البشر .. و صاروا يتحدثون بلغة عليا ممسوسة بجنون العظمة .. لا ينتظرون النبوءات مثل دمار مدن معينة فى اسفار معينة او استحضار مخلص مزعوم .. 


التفعيل جارٍ و يتم قسرا فوق جثث البشر 


و السؤال المهم هنا ، لم هذا الهوس الشديد بقداسة الرمز و الارقام ؟ 

هذه القوى لسبب ما تدرك ان السيطرة المطلقة لا تكتمل الا بتحويل العالم الى ملحمة رمزية شعرية ، دون النظر لحجم الدمار المخلف من جراء هذا ، كأنه واجب مقدس ان يستحضروا الفوضى المقدسة .. 


و بالنظر الى طبيعة ما يحدث فى ارجاء العالم ، و اذا دققنا النظر جيدا ، نجد ان العالم يحترق الان لبناء هيكل مزعوم .. اى لرمز اخر 

و من هنا يصبح الرمز هو الحقيقة الكلية لما نعيشه .. و حياة الملايين مجرد تفاصيل هامشية فى طريق الوصول الى الرؤية الكونية الاسمى ، و الاضل سبيلا


الاجابة الابسط لذلك و دون مواربة هى اننا عند الحافة ، او كما يقولها الروائيون و صناع السينما بما قبل الذروة .. الامور تتضح و تتكشف ، و الرمز فى حد ذاته صار الحقيقة العارية

هنا، وفي هذه الثواني الأخيرة التي تسبق انتصاف ليل الحضارة، نصل إلى الحقيقة التي لا يمكن تشفيرها، والصلة التي لا تطالها "خوارزميات التيه". 

فبينما ينشغل مهندسو الفناء ببناء عمارة الرهبة، وحقن الوعي بسموم السينما، وقسر النبوءات القديمة بقذائف "المسيرات" وقرابين الدم، يبقى هناك عنصرٌ وحيد لم يحسبوا حسابه في معادلاتهم الرقمية الباردة: إنه نحن.


​إنني في هذا العمود، الذي اخترتُ له اسم "الموريات" ، لم أكن أبحث عن استعادة مفاخر فروسية غابرة، بل كنت أبحث عنا؛ نحن الذين نعيش اليوم دور "السنابك" في ملحمة الوجود. نحن تلك القطعة المعدنية الصلبة التي تتعرض لضغطٍ رتيب، مستمر، لا يهدأ ولا يتوانى. نحن الذين يقع علينا "ثقل العالم" المشفر بكل زيفه ورموزه ودمويته، والمطالبون في كل لحظة ارتطام بأن نصمد تحت وطأة حوافر القدر التي يوجهها من ظنوا أنفسهم "كتبة الأقدار".

نسى هؤلاء تماما ان الشرارة لا تنبعث ولا تقدح الا حين ازدياد الضغط ، و ان اول من سيتأذى من تلك الشرارة هم انفسهم لا غيرهم ..

نسى هؤلاء ان طبيعة الاحتكاك بين حقنا المطلق و بين باطلهم المزيف المزين بالرموز لا تنتج الا نارا 

ستبدد العتمة لا ريب ..

يكفي ان ترى ما تفعله مصر فى الاونة الاخيرة لتعرف جيدا انها اجادت استباق الجميع ، و ربح بيعها و ربح سعيها ، و كانت الاجهز لتحمل القادم 


"قبل ٢٠٢٥ لازم كله يكون جاهز ، فيه كلام مش هعرف اقوله ع الهوا "


هكذا قالها ، و الان نرى الخريطة تشتعل من حولنا 

و مصر التى قرأت الحقيقة كاملة ، مستعدة و امنة 


و تجيد اللعب بنفس الالية فى استخدام الرمز ، و صارت لها مدرستها الخاصة كذلك فى تلك الحرب الخفية .. 

و تقولها بصراحة و بوضوح :

 يا كتبة الرمز الخفى ،،

يا ايها الذين حملونا ثقل النبوءات المزعومة ،، 

اجدنا الاستعداد ، و نملك النص الاصلى للعالم ، و فى ايدينا القطعة الاخيرة لذلك اللغز الكونى .. 


و انها بالفعل الثوان الاخيرة 

قبل ان تصير الشرارة ضياء .


د. ايمن الشريف 









إرسال تعليق

0 تعليقات