د عيد النوقي وجدلية الطلسم والضمير وتحليل لرواية الروائي محي الدين حافظ 🇸🇴

 

جدلية الطلسم ،والضمير: قراءة استراتيجية نفسية شرعية بلاغية 

بقلم /الباحث والأديب المفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي. 



في رواية طلسم مانيتون


للروائي العالمي محي الدين محمود حافظ




تحية تقدير وإجلال إلى الروائي المبدع محيي الدين محمود حافظ؛ الذي يغامر بالسرد،وهو أهل لذلك  في منطقة ملتهبة تجمع التاريخ بالعقيدة، والفلسفة بالدم، والإنسان بين ضفتي القدر والاختيار.


أولًا: التحليل الاستراتيجي (البنية الكبرى للنص):


الرواية تقوم على ثلاث طبقات استراتيجية متداخلة:


طبقة تاريخية حضارية


استدعاء شخصية مانيتون في العصر البطلمي، والبحث عن سر الخلود (حجر الفلاسفة/إدريس)، وهو خط حضاري يعيد سؤال:


هل الخلود جسدي، أم فكري أم روحي؟


طبقة معاصرة سياسية


شخصية عمرو الخضري / أبو براء المصري تمثل نموذج التحول من المثقف الأكاديمي إلى المتطرف المسلح.


هنا تتجلى استراتيجية الرواية: تفكيك آلية التطرف من الداخل لا من الخارج.


طبقة وجودية قدرية


الصراع بين:


المعيد اللغوي الباحث


الأمير الدموي المنفذ


الإنسان المكسور بفقد أخته


الرواية تبني جسراً بين:


خلود الحضارات القديمة


وخلود الفكرة المتطرفة


وخلود الألم في النفس البشرية


وهذا بناء استراتيجي ذكي وعميق.


ثانيًا: التحليل النفسي:


الرواية تُعد دراسة نفسية دقيقة لحالة:


1) التحول من الضحية إلى الجلاد


فقد الأخت (صدمة عاطفية كبرى).


الإحساس بالعجز أمام مؤسسات الدولة.


انتقال الغضب من المرض إلى المجتمع.


البحث عن معنى للمعاناة داخل خطاب متشدد.


هذا يتطابق مع دراسات علم النفس التطرفي التي تشير إلى:


أن الصدمة الشخصية غير المعالجة قد تتحول إلى تطرف أيديولوجي.


2) ازدواج الهوية:


الصراع بين:


عمرو (المثقف)


أبو براء (الأمير)



وهو صراع "الأنا الأخلاقية" ضد "الأنا العقائدية المؤدلجة".


أقوى مشهد نفسي:


بكاؤه لا لأنه نادم… بل لأنه يسأل: هل أنا علي صواب؟


هذا سؤال وجودي عميق، لا دعائي.


ثالثًا: التحليل الشرعي:


النص يُظهر بوضوح:


قتل المصلين داخل المسجد


استباحة دماء المسلمين


توظيف مفاهيم مثل "الطواغيت" و"حد الله"


من الناحية الشرعية:


قتل النفس المعصومة محرم بنص القرآن:


﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ،(المائدة: 32).


التفجير داخل المسجد جريمة مركبة (قتل ،انتهاك حرمة المسجد).


الرواية لا تبرر الفعل؛ بل تكشف تناقضه. وهذا يُحسب للكاتب.


رابعًا: التحليل البلاغي والسردي:


1) تقنية المفارقة الكبرى


أعظم مفارقة:


متسول يطعمه نصارى


كان يقتل مسلمين


هذه المفارقة تضرب في عمق الخطاب الطائفي.


2)لغة مزدوجة:


لغة تاريخية هادئة في مانيتون.


لغة عصبية متقطعة في عمرو.


وهذا يعكس اضطراب الشخصية.


3. الرمزية:


الكهف = اللاوعي


اللفافات = المعرفة القديمة


الطلسم = سر النفس قبل سر الخلود


خامسًا: مواطن القوة، والجمال:


الجرأة في معالجة ملف الإرهاب من الداخل.


الربط بين التاريخ المصري القديم، والواقع المعاصر.


بناء شخصية معقدة غير مسطحة.


استخدام الصحراء كرمز للعزلة ،والضياع.


المشهد النفسي لمذبحة بئر العبد (من زاوية الجاني).


سادسًا: ملاحظات نقدية بناءة:


بعض المشاهد العنيفة تحتاج إلى تكثيف أدبي أكثر، وتقليل المباشرة.


الانتقال بين الماضي والحاضر يمكن ضبطه بإشارات زمنية أوضح.


البعد الفلسفي لمانيتون يمكن تعميقه أكثر ليوازن ثقل خط الإرهاب.


سابعًا: القراءة الفلسفية العميقة:


الرواية تسأل سؤالاً خطيراً:


هل يبحث الإنسان عن الخلود لأنه يخاف الموت؟


أم لأنه يخاف الفراغ الداخلي؟


عمرو قتل ليشعر بالقوة.


بطليموس بحث عن الخلود ليشعر بالسيطرة.


كلاهما خائف.


ثامنًا: ربط بالواقع اليومي:


في عالمنا اليوم:


شباب موهوبون يتحولون إلى التطرف.


إحباط اجتماعي يتحول إلى غضب أيديولوجي.


صدمة شخصية تصبح مشروع عنف.


الرواية مرآة لا سكين.


والأمر يحتاج الي حوار واحتواء .


وختاما :


أبيات شعر في تحية الروائي المبدع محيي الدين حافظ:


يا مبدعَ الحرفِ يا محي  إن السردَ ملحمةٌ


وفي يديكَ تجلّى الفكرُ والقدرُ


مزجتَ مصرَ القديمةَ بالدموعِ معًا


فصار تاريخُها في النصِّ يعتصرُ


أحييتَ مانيتونَ من رقٍّ ومن حجرٍ


وأيقظتَ في ضميرِ العصرِ ما اندثرُ


ما أنتَ كاتبَ قصةٍ عابرةٍ أبدًا


بل أنتَ مرآةُ هذا الجرحِ والسفرُ


يا محي حافظ أنت مبدع حقا 


والكلمات بين أناملك ذهب.


خاتمة مؤثرة


طلسم مانيتون ليست رواية عن الإرهاب فقط، ولا عن التاريخ فقط، بل عن:


الإنسان حين يضلّ طريق المعنى


فيبحث عن خلودٍ خارج الله


فيفقد نفسه.


إنها رواية عن الضمير حين يصحو متأخرًا…


وعن الكهف الذي يسكن داخل كل إنسان.


تحية تقدير للروائي محيي الدين محمود حافظ


الذي كتب بالنار… ليحذر من النار.


دام التميز والتألق يا فنان.


أحييك من قلبي ...ولك مني كل التقدير  والاحترام .

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. الدكتور عيد كامل النوقي28 فبراير 2026 في 5:34 ص

    دام التميز والتألق رواية عالمية لمبدع عالمي محي الدين محمودحافظ

    ردحذف